Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

 

2026-07-01

 

جريدة الراية:

تخبط الحكومة السودانية

في السياسات الاقتصادية

 

 

يواصل الجنيه السوداني هبوطه الحاد مسجلاً مستويات قياسية تقترب من 5000 جنيه للدولار، الأمر الذي أشعل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار وأفقد العملة جانباً كبيراً من قيمتها. وقد انعكس ذلك مباشرة على معيشة الناس، حتى باتت 86% من الأسر غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية. وتظهر مظاهر المعاناة في أبسط متطلبات الحياة؛ إذ بلغ سعر ملء أنبوبة الغاز نحو 120 ألف جنيه، وهو مبلغ يفوق راتب المعلم في الدرجة التاسعة البالغ 86 ألف جنيه، بينما لا يكفي راتب الدرجة الأولى، البالغ 225 ألف جنيه، لتغطية احتياجات الأسرة من الخبز لمدة شهر واحد!

 

وقد انخفض الجنيه إلى تسعة أضعاف مقابل الدولار والعملات الأخرى، وفقد 90% من قيمته، إذ قفز سعر الدولار من 570 جنيهاً عام 2023م إلى 4700 جنيه حالياً وسط أخبار عن وصوله إلى 5000 جنيه. كما ارتفع الريال السعودي من 200 جنيه إلى 1050 جنيهاً، والجنيه المصري من 13 جنيهاً سودانياً إلى 98 جنيهاً.

 

وقد انعكس هذا السقوط المدوي للعملة على الأسعار والقوة الشرائية، فتضاعفت أسعار السلع عشرة أضعاف، إذ ارتفع سعر جالون البنزين من 3000 إلى 30000 جنيه. وفي المقابل تآكلت قيمة الأجور بصورة حادة؛ فمرتبات المعلمين التي كانت تعادل قبل سنوات ما بين 181 و498 دولاراً، لم تعد اليوم تتجاوز 17 إلى 84 دولاراً، رغم بقاء قيمتها الاسمية بالجنيه في حدود 86 ألفاً إلى 225 ألفاً.

 

ويتمثل السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية في السودان في تطبيق النظام الاقتصادي الرأسمالي بأدواته المعروفة من ضرائب وجمارك واحتكار. فالرسوم والضرائب باتت تشكل نحو 70% من أسعار السلع، بينما ارتفع الدولار الجمركي من 2000 إلى 3222 جنيهاً منذ مطلع عام 2025م، بزيادة بلغت 61%. ومع احتكار استيراد بعض السلع لصالح جهات محددة تتحكم في أسعارها، تصبح النتيجة الطبيعية هي ارتفاع الأسعار واتساع معاناة الناس.

 

أما أسباب انهيار العملة فتتمثل في ثلاثة أسباب رئيسية؛ أولها العجز المزمن في الميزان التجاري، حيث تبلغ صادرات السودان نحو 2.6 مليار دولار مقابل واردات تبلغ 6.5 مليار دولار، أي بعجز يقارب 3.9 مليار دولار. ومتى كانت الواردات أكبر من الصادرات ازداد الطلب على العملات الأجنبية لتمويل الاستيراد، فارتفع سعر الدولار وانخفضت قيمة العملة المحلية.

 

والمفارقة أن السودان ليس بلداً فقيراً بالموارد حتى يعاني هذا العجز. فهو من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، وينتج معظم الصمغ العربي في العالم، فضلاً عن موارده الزراعية والحيوانية والمعدنية الضخمة. ولكن الفساد وسياسات تدمير الإنتاج الحكومية حرمت السودان من الاستفادة الحقيقية من هذه الثروات. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ملف الذهب، حيث أعلن وزير المالية أن إنتاج السودان خلال عام 2025م بلغ نحو 70 طناً، بينما لم يُصدّر رسمياً سوى 20 طناً. وبالرغم من إشراف الحكومة على إنتاج الذهب فقد صدرت بعضه، بينما يذهب الباقي إلى جيوب المسؤولين. فلو تم تصدير هذه الـ70 طناً فقط دون أي إنتاج آخر، لبلغت قيمة صادرات السودان 9 مليارات دولار، ما يعني فائضاً في الميزان التجاري بقيمة 2.5 مليار دولار. كما أن السياسات الضريبية والجبائية كانت معول الهدم الذي هدمت به الحكومة الإنتاج، فالضرائب والرسوم المتعددة دمرت مقومات الإنتاج في الزراعة والصناعة.

 

ولا شك أن الحرب الحالية فاقمت الأزمة، إلا أنها ليست منشأها الحقيقي، إذ إن تدهور الجنيه وارتفاع الأسعار سبقا الحرب بسنوات طويلة. غير أن ظروف الحرب وفرت للحكومة فرصة أشبه بـ(الفوضى الخلاقة) لتمرير إجراءات اقتصادية يصعب تمريرها في الظروف العادية، مثل تخفيض قيمة العملة.

 

أما السبب الثاني لانخفاض الجنيه فيتمثل في طبيعة النظام النقدي نفسه، فالعملة مجرد أوراق إلزامية لا تستند إلى أساس متين. تطبعها الدولة وقتما أرادت دون غطاء، ومعلوم أن زيادة الكتلة النقدية تؤدي إلى التضخم الذي يخفض قيمة العملة وتُسرق به جهود الناس ومدخراتهم.

 

والسبب الثالث هو تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي المدمرة للاقتصاد، ومنها تخفيض قيمة العملة. فالصندوق يطلب من الدولة أن تخفض قيمة عملتها مقابل الدولار، وذلك لأغراض استعمارية لنهب ثرواتها.

 

أما المعالجات الحكومية فلا تتجاوز معالجة النتائج لا الأسباب. فقد حمَّلت الحكومة مستوردي الوقود مسؤولية ارتفاع الأسعار، وأعلنت أنها ستتولى الاستيراد بنفسها عبر وزاراتها. وبعد يومين تراجعت عن منع المستوردين وطلبت منهم إيداع 200 كيلوغرام من الذهب للحصول على تصاديق الاستيراد، في مشهد يعكس حجم التخبط في المعالجات.

 

واللافت أن الدولة ليست بعيدة أصلاً عن سوق الوقود، إذ تستورد 4 شركات حكومية نحو 50% من الكميات المستوردة، بينما تتقاسم 38 شركة خاصة النصف الآخر.

 

وفوق ذلك تفرض الدولة ضريبة تبلغ 31% على لتر البنزين، ورسوماً ولائية تصل إلى 500 جنيه للتر عند الترحيل بين الولايات. فالدولة بسياسات الجباية الرأسمالية هي سبب زيادة معاناة الناس ورفع أسعار الوقود.

 

وللمحافظة على قيمة الجنيه لا بد أن يُجعل له أساس ثابت ومتين، وهو الذهب، فلا طباعة دون غطاء ذهب. وبقاعدة الذهب يكون للجنيه قيمة ذاتية، فلا يحتاج الناس إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار أو غيره خوفاً من انخفاض قيمتها.

 

والعلاج الجذري للمشكلات الاقتصادية في السودان يتمثل في تطبيق نظام اقتصادي يقوم على أساس أحكام الإسلام التي هي من لدن حكيم خبير، نظام يعمل على الاستفادة من خيرات السودان وتمكين الناس من الانتفاع بها إنتاجاً وصناعةً وتجارةً، نظام يقطع أذرع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (الربويين) من التدخل في السياسات الاقتصادية فلا يستطيعون تخفيض قيمة عملتنا، نظام يلغي هيمنة الدولار الاستعمارية على بلادنا، ويكون أساس النقد فيه أساساً متيناً (قاعدة الذهب).

 

وقد كان الذهب أساس النقد لآلاف السنين، وقد أقر الإسلام هذا الأساس فربط مجموعة من الأحكام بالذهب. وهو أساس ثابت، فقيمة الذهب لا تكاد تتغير لأنه معدن نفيس. وهذا النظام يحتاج إلى دولة خلافة، فلا تستطيع هذه الأنظمة الوظيفية تنفيذه.

 

بقلم: المهندس باسل مصطفى

 عضو مجلس حزب التحرير في ولاية السودان

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.