Logo
طباعة
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

 

جواب سؤال

 

مسألة نسخ السنة للقرآن

 

إلى Abou Malek Hamdouni

 

السؤال:

 

أميرنا، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ورعاك الله وبارك في عملك.

 

سؤالي هو: هل يوجد خلاف بين المجتهدين أو الأصوليين في مسألة نسخ السنة للقرآن؟ وهل كلام الشافعي في مسألة أن رجم الزاني أو الزانية نسخت عقوبة الجلد بالنسبة للمحصنين؟ وما هي أدلتهم؟

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

إن جواب سؤالك موضح بالتفصيل في الشخصية – الجزء الثالث – باب نسخ القرآن، وأنقله لك:

 

[يجوز نسخ القرآن بالقرآن؛ لتساويهما في وجوب العلم به ووجوب العمل به، ولأن كلاً من الناسخ والمنسوخ جاء به الوحي لفظاً ومعنى، فجاز نسخ القرآن بالقرآن. ومن ذلك نسخ الاعتداد بالحول بالاعتداد أربعة أشهر وعشراً، ونسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية، ونسخ ثبوت الواحد للعشرة بثبوت الواحد للاثنين بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، وهذا دليل على وقوع النسخ في القرآن. والوقوع في الشرع أدل الدلائل على الجواز الشرعي. ولا يقال إن النسخ إبطال الحكم، وهذا لا يجوز في حق القرآن لقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فلو نسخ بعضه لتطرق إليه البطلان؛ لا يقال ذلك لأنه لا يجوز إبطال القرآن كله، فلا يصح أن ينسخ القرآن كله، أما بعض أحكامه فيجوز. أي إن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب ما يبطله، ولا يأتيه من بعده ما يبطله، فالقرآن لا ينسخ كله، وإنما تنسخ بعض أحكامه، ثم إنه لا يجوز إبطال الآيات نفسها بنسخ تلاوتها، أما إبطال ما جاءت به من أحكام بإزالتها، أي نسخ أحكام منها، فيجوز كما ثبت وقوع ذلك فعلاً. وأيضاً فإن الآية لا تقول لا يأتيه الإبطال، وإنما تقول لا يأتيه الباطل. وهناك فرق بين الإبطال والباطل، فالإبطال هو نسخ الحكم، وأما الباطل فهو ضد الحق. فالقرآن ينسخ بالقرآن من غير شك.

 

وأما نسخ القرآن بالسنة فلا يجوز، وهو غير واقع. أما عدم جوازه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فوصف النبي بكونه مبيناً، والناسخ رافع وليس بمبين، والرفع غير البيان، وقال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فإنه يدل على أن الآتي بالخير أو المثل هو الله تعالى لرجوع الضمير إليه، وذلك لا يكون إلا إذا كان الناسخ هو القرآن؛ ولهذا قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فأشعر أن الآتي بالخير أو المثل هو المختص بكمال القدرة، فلا يكون النسخ بالسنة؛ لأن الآتي بها هو الرسول. وإنه وإن كانت السنة حاصلة بالوحي كالقرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ولكنها حاصلة بالوحي معنى، وهي غير متلوة فلا نتعبد بتلاوتها، والقرآن حاصل لفظاً ومعنى، وهو متلو ونتعبد بتلاوته، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ فأخبر أنه إنما يبدل الآية بالآية لا بالسنة، وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ وهو دليل على أن القرآن لا ينسخ بغير القرآن. ويدل على ذلك أن المشركين عند تبديل الآية مكان آية قالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ فأزال الله تعالى وهمهم بقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ وذلك يدل على أن التبديل لا يكون إلا بما نزله روح القدس وهو القرآن: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ والحاصل هو أنه وإن كان كل من القرآن والسنة قد جاء به الوحي، ولكن السنة تنسب للرسول، فيقال قال رسول الله، ولا يقال قال الله إلا في الحديث القدسي، فلا تنسب إلى الله. والسنة جاءت معنى من الله، والقرآن جاء لفظاً ومعنى. والسنة لا يتعبد بها تلاوة، والقرآن يتعبد به تلاوة. وهذا كله يجعل القرآن لا ينسخ بالسنة. ثم إن نص آيتي النسخ يدل على أن الناسخ للآية هو الآية، فالأولى تقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فيفهم منها أن الناسخ آية؛ لأن المثل لا يكون إلا في الآيات، ولا يكون في الأحاديث، والثانية تقول: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ فإنه نص بأن التبديل حاصل بوضع آية مكان آية، وهذا يعني أن الناسخ لا بد أن يكون آية، فلا يكون الناسخ للقرآن إلا قرآناً. فهذا كله دليل على أن القرآن لا ينسخ بالسنة، سواء أكانت متواترة أم خبر آحاد.

 

وأما عدم وقوع نسخ القرآن بالسنة؛ فلأنه لم يرد حكم من الأحكام ناسخاً لحكم من أحكام القرآن، أما الأحكام التي ادّعوا أنها نسخت بالسنة، فإن منها ما هو منسوخ بالقرآن، ومنها ما هو تخصيص وليس بنسخ، فقد قالوا: إن الوصية للوالدين والأقربين الواردة في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ منسوخة بقوله ﷺ: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» أخرجه أحمد. والجواب على ذلك أنها منسوخة بآية الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآيات. وقالوا إن جلد الزاني الوارد في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ نسخ بالرجم الثابت بالسنة، والجواب أن الجلد لم ينسخ بل هو باق، وإنما جاء تخصيص الجلد بغير المحصن، والرجم للمحصن، فهو تخصيص وليس بنسخ، وتخصيص القرآن بالسنة جائز؛ لأنه يصدق عليه أنه بيان فيندرج تحت قوله ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ بخلاف النسخ، فإنه رفع وليس ببيان. على أن هذين الحديثين: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وحديث الرجم أخبار آحاد، فلو فرضنا جدلاً أن القرآن ينسخ بالسنة، فإنه لا يجوز أن ينسخ بخبر الآحاد؛ لأن القرآن قطعي الثبوت، وخبر الآحاد ظني الثبوت، والقطعي لا ينسخ بالظني؛ لأن النسخ إبطال، فلا يزال حكم ثابت قطعاً بحكم ثابت ظناً. وهذا أيضاً يؤيد أن ما جاءوا به من أمثلة على الوقوع غير صحيح. وما دام نسخ القرآن بالسنة لم يقع مطلقاً، وعدم الوقوع وحده كاف للدلالة على عدم الجواز؛ لأنه ليس المراد الجواز عقلاً بل الجواز شرعاً. وكذلك لا ينسخ القرآن بإجماع الصحابة، ولا بالقياس؛ لأن كلاً منهما حصل بعد زمن الرسول ﷺ وقد أجمع الصحابة على منع النسخ بعد الرسول، ولا مخالف في ذلك مطلقاً.]

 

وواضح منه الجواب على سؤالك بشقيه:

 

1- لا ينسخ القرآن بالسنة.. والذين يقولون بجوازه رأيهم غير صحيح.

 

2- آية جلد الزانية والزاني مخصصة في غير المحصن والمحصنة.. وذلك بحديث رسول الله ﷺ برجم الزاني والزانية.. وتخصيص القرآن بالسنة معمول به لوجود الأدلة.

 

وفي هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

24 ربيع الآخر 1448هـ

الموافق 06/10/2026م

 

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على الفيسبوك:

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.