Logo
طباعة
المسلمون العالقون في منطقة "الدّفع إلى الداخل" بين الهند وبنغلادش يحتاجُون لدولة الخلافة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المسلمون العالقون في منطقة "الدّفع إلى الداخل" بين الهند وبنغلادش يحتاجُون لدولة الخلافة

(مترجم)

 

 

الخبر:

 

نُقل مئات المسلمين إلى الحدود، ووُضع آخرون في مراكز احتجاز في الهند، ضمن حملة الكشف والحذف والترحيل التي تستهدف المهاجرين غير الشرعيين. (الجزيرة، 10 حزيران/يونيو 2026)

 

التعليق:

 

على مدى الأسابيع القليلة الماضية، اتهمت بنغلادش الهند مراراً وتكراراً بمحاولة دفع مجموعات من الناس عبر الحدود إلى الأراضي البنغالية دون اتباع إجراءات التحقق والترحيل الرسمية. في المقابل، تقول الهند إنها تسعى لتحديد هوية المهاجرين غير الشرعيين وترحيلهم، وقد طلبت من بنغلادش التحقُّق من هوية آلاف البنغاليين المشتبه بإقامتهم في الهند.

 

إنّ الحدود الهندية البنغالية ليست حاجزاً طبيعياً، بل هي جرحٌ من جراح الاستعمار. فعلى مدى أكثر من قرن قبل التقسيم عام 1947، وبعده بفترة طويلة، تنقل ملايين الأشخاص بسلاسة بين ما يُعرف اليوم ببنغلادش وولايات البنغال الغربية وآسام وشمال شرق الهند، تربطهم روابط اللغة والثقافة والقرابة. لم تكن هذه الحركة يوماً أحادية الاتجاه، فقد فرّ الهندوس من الاضّطهاد في بنغلادش، وعبر المسلمون بحثاً عن العمل والعلاج الطبي والبقاء على قيد الحياة. تخترق الحدود حقول الأرز والأنهار حيث لا تُميّز القرابة بين الجنسيات. إنّ الهجرة هنا ليست غزواً، بل هي نتيجة طبيعية للجغرافيا والاستعمار والفقر. ومع ذلك، أعاد حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند صياغة هذه القضية بشكل منهجي لتُصوّرها تهديداً وجودياً فريداً يحمله دين واحد فقط.

 

عندما وصل حزب بهاراتيا جاناتا إلى السلطة في ولاية آسام عام 2016، وعد باستئصال الأجانب غير الشرعيين. وتمّ استغلال السّجل الوطني للسكان، الذي انبثق في الأصل من حركة مناهضة للأجانب في سبعينات القرن الماضي، كأداة لإقصاء المسلمين. تمّ استبعاد ما يقرب من 1.9 مليون شخص من القائمة النهائية للسّجل، ولكن على عكس رواية حزب بهاراتيا جاناتا، كان عدد الهندوس بينهم يفوق عدد المسلمين (حوالي 1.5 مليون). إلا أن هذه الحقيقة طُمست تحت وطأة الآلية الانتخابية. وقدّم قانون تعديل الجنسية، الذي أُقرّ عام 2019، التصحيح لغير المسلمين فقط، إذ سمح للهندوس المهاجرين المستبعدين من السجل الوطني للسكان بالحصول على الجنسية، بينما ظلّ مصير المسلمين، الذين يشكّلون أكثر من ثلث سكان آسام، غامضاً تماماً.

 

حوّل حزب بهاراتيا جاناتا سياسة اللاجئين إلى حرب بالوكالة ضد المسلمين، وقد أثمرت هذه الاستراتيجية نتائج ملموسة. ففي الانتخابات البرلمانية لعام 2019، حقّق حزب بهاراتيا جاناتا بزعامة مودي أغلبية أكبر مما حققه في عام 2014، وذلك بعد أن وعد بتطبيق سجل وطني للسكان على مستوى البلاد في برنامجه الانتخابي. ووصف وزير الداخلية أميت شاه المهاجرين البنغاليين علناً بالنمل الأبيض والمتسللين. ورغم أنّ الهند تستضيف عشرات الآلاف من اللاجئين البوذيين من التبت واللاجئين التاميل من سريلانكا، إلا أنّ حزب بهاراتيا جاناتا دأب على استهداف المهاجرين المسلمين والبنغاليين والروهينجا، لمجرد معتقداتهم.

 

في نيسان/أبريل 2026، تحوّل ما كان يُلمّح إليه منذ فترة طويلة إلى أمرٍ صريح. فقد أصدرت قوات الأمن الحدودية الهندية تعميماً داخلياً بتاريخ 26 آذار/مارس، يُوجّه الوحدات المنتشرة على طول القطاعين الشرقي والشمالي الشرقي بتقييم "جدوى نشر الزواحف في الفجوات النهرية المعرضة للخطر" حيث ثبت عدم جدوى الأسوار التقليدية. وذكرت قناة الجزيرة أنّ استخدام الزواحف وُصف بأنه "يتماشى مع توجيهات وزير الداخلية أميت شاه". وقال الباحث أنغشومان تشودري لقناة الجزيرة: "بمجرّد إطلاق الثعابين السامة والتماسيح، لن تتمكن من التمييز بين البنغالي والهندي: هذه قمة القسوة، وطريقة جديدة تماماً لتسليح الطبيعة ضدّ البشر". وحذّر خبراء الحياة البرية من أنّ الخطة عبثية بيئياً؛ فالتماسيح ليست من الحيوانات الأصلية في هذه المناطق الحدودية، وقد تجرف الفيضانات الثعابين السامة إلى القرى على جانبي الحدود. جاء ذلك بعد أن قامت الأجهزة الأمنية في ولاية آسام، صيف عام 2025، بترحيل عشرات المسلمين الهنود قسراً إلى بنغلادش، متهمةً إياهم بأنهم مهاجرون غير شرعيين. وأعادت بنغلادش هؤلاء المهاجرين، تاركةً إياهم عالقين في منطقة حدودية. كان يُطلق عليهم اسم باكستانيين حتى ما قبل عام 1971، ثم أصبحوا بنغاليين، لكنهم في الواقع مسلمون يسعى نظام حزب بهاراتيا جاناتا إلى طردهم لتحويل هذه المنطقة الحدودية إلى قاعدة انتخابية ذات أغلبية هندوسية، وذلك لضمان نجاحه في هذه الديمقراطية الانتخابية.

 

الحكم الإسلامي واضح، والدولة تتحمل مسؤولية حماية كل نفس داخل أراضيها، مسلمةً كانت أم غير مسلمة. وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ آذَى ذِمِّيّاً فَأَنَا خَصْمُهُ وَمَنْ كَنْتُ خَصْمُهُ خَصَمْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، أي أن عهد الدولة بالحماية مسألة دينية، لا مجرد مسألة سياسية.

 

تاريخياً، رسّخت الخلافة هذا المبدأ بطرقٍ لافتة. ففي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الخليفة الثاني، مُنح المهجرون والمضّطهدون، بمن فيهم النصارى واليهود، الأمان (المرور الآمن والحماية)، ووُضعت ممتلكاتهم وأرواحهم تحت حماية الدولة. وخلال الخلافة العباسية، سجّل الباحثون أنّ التجار والمهاجرين واللاجئين غير المسلمين الذين عبروا الأراضي الإسلامية تمتعوا بالحقوق القانونية وحقّ اللجوء إلى المحاكم الإسلامية. وفي أوج ازدهارها، أصبحت الخلافة العثمانية ملاذاً رسمياً ليهود الذين طُردوا من إسبانيا عام 1492، حيث يُروى أنّ السلطان بايزيد الثاني قال إن ملك إسبانيا قد أفقر مملكته بطرده هؤلاء المنتجين. ويتناقض هذا التقليد تناقضاً صارخاً مع ما تفعله حكومة حزب بهاراتيا جاناتا في الهند اليوم: فهي لا تكتفي برفض الحماية، بل تُسخّر أجهزة الدولة وقوانين الجنسية وقوات الحدود، والآن أنهارها، كسلاحٍ ضد المسلمين.

 

ما يحدث على الحدود الهندية البنغالية ليس أمناً حدودياً، بل هو تجريد ممنهج لفئة دينية من إنسانيتها، مُتستراً بلغة الدولة القومية. إنّ اقتراح التماسيح ليس شذوذاً، بل هو النتيجة المنطقية لحملة دامت عقداً من الزمن، حوّلت التابعية إلى سلاح، والهجرة إلى وصمة عار، وحياة المسلمين إلى أداة سياسية، ما لم تُزل هذه الحدود الفاصلة مجدداً كما كان الحال في حقبة ما قبل الاستعمار تحت حكم الخلافة.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد مالك

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.