- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة الرابعة والعشرون
عزل خالد بن الوليد... السلطان للأمة والسيادة للشرع والهيبة للدولة لا للأبطال
عزل خالد بن الوليد رضي الله عنه عن قيادة الجيوش هو موقف سياسي عميق يرسّخ أصلاً من أصول نظام الحكم في الإسلام: أن السلطان خاضع للشرع، وأن الدولة تقوم على تنفيذ الأحكام، لا على هيبة الأفراد مهما علت مكانتهم.
كان خالد سيفاً مسلولاً في ساحات القتال، وقاد جيوش المسلمين في الشام بانتصارات عظيمة. ومع ذلك، عزله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وولّى أبا عبيدة بن الجراح مكانه. لم يكن السبب فشلاً عسكرياً، ولا خيانة، بل خشية أن يُفتن الناس بخالد، وأن يُظن أن النصر مرتبط بشخصه وليس بالله. وهنا تتجلى الرؤية العميقة لطبيعة الدولة في الإسلام.
أولاً: النصر من عند الله، لا من عبقرية القادة. الدولة الإسلامية لا تقوم على صناعة أبطال يُنسب إليهم الفتح، بل على طاعة الله والانقياد لأمره. وإذا ترسخ في وعي الأمة أن الانتصار مرهون بشخص، ضعفت صلتها بالمنهج، واهتز فهمها لحقيقة القوة. لذلك جاء العزل تثبيتاً لعقيدة أن القوة في الالتزام بالشرع، لا في التفوق الفردي.
ثانياً: القيادة وظيفة لتنفيذ الأحكام لا مصدراً للشرعية. في الإسلام، الخليفة أو القائد لا يملك شرعية ذاتية، ولا يُقدَّس لبطولته، بل يُطاع ما دام ملتزماً بالشرع. وعزل خالد يؤكد أن أي منصب في الدولة هو تكليف قابل للتغيير وفق المصلحة الشرعية التي يقدّرها الإمام، لا حقاً شخصياً دائماً. فالدولة ليست ملكاً لقادتها، بل كيان يقيم أحكام الإسلام، ومن يتولى مسؤولية فيه يخضع لقرار الإمام في التولية والعزل.
ثالثاً: الولاء واحد داخل الأمة للشرع، والخليفة وحده صاحب الصلاحية. من أخطر ما يهدد كيان الأمة أن يتحول الولاء من الفكرة إلى الشخص. إذا ارتبطت الجيوش بقائد معين، أو ارتبط الناس برمز عسكري على حساب الدولة، نشأت مراكز قوة موازية قد تضعف وحدة السلطان. لذلك كان القرار حاسماً في إبقاء الجيوش منضبطة تحت إمرة الخليفة، لا تحت تأثير شخصية بعينها.
رابعاً: الدولة في الإسلام كيان مبدئي وليس نظاماً شخصانياً. ليست الدولة الإسلامية نظاماً يقوم على الزعامة الفردية، ولا على الإرث العائلي، ولا على الشعبية العسكرية، بل على عقد بيعة لإمام يلتزم بتطبيق الشرع. وكل من دونه يعمل في إطار هذا السلطان. فإن تغيّر الأشخاص، بقي الكيان ثابتاً لأن أساسه هو الحكم بما أنزل الله، لا بقاء الرموز.
عند النظر إلى واقع المسلمين اليوم، يتبين مدى البعد عن هذا المفهوم. تُبنى أنظمة على شخص الحاكم، أو على زعيم عسكري، أو على نخبة محددة، فتُربط الدولة بمصير الفرد. فإذا سقط، اضطرب النظام كله. بينما النموذج الذي جسدته حادثة عزل خالد يبين أن الدولة التي تقوم على الشرع لا تهتز بتغير الوجوه، لأن الذي يحكم هو الإسلام، لا الأشخاص.
خامساً: تجريد القوة من النزعة الشخصية. القوة العسكرية في الإسلام ليست وسيلة لبروز الأفراد، بل أداة بيد الدولة لحمل الدعوة وحماية الأمة. فإذا تحولت إلى مصدر نفوذ شخصي، انحرف ميزان الحكم. لذلك كان من مقتضيات صيانة الكيان السياسي أن تبقى القوة خاضعة بالكامل للإمام، وأن لا تُختزل في اسم قائد مهما بلغ شأنه.
إن عزل خالد لم يُنقص من قدره، بل زاده شرفاً؛ إذ امتثل للأمر وبقي جندياً مطيعاً تحت إمرة غيره بعد أن كان قائداً أعلى. وهنا يظهر الفرق بين دولة تُدار بالعصبيات، وأخرى تُدار بعقيدة تجعل الطاعة للشرع فوق الاعتبارات النفسية والمكانة الشخصية.
الدرس العميق في هذه الحادثة أن الدولة في الإسلام ليست مؤسسات بالمعنى الوضعي الحديث، ولا نظاماً إدارياً فحسب، بل كيان سياسي يقوم على البيعة والسلطان، تُضبط حركته بأحكام الشرع، ويُقدَّم فيه المنهج على البطل، والطاعة على الشهرة، ووحدة الكلمة على الاعتبارات الفردية.
وهكذا يثبت هذا الموقف أن قوة الأمة ليست في أبطالها، بل في ثباتها على حكم ربها، وأن بقاء كيانها مرهون ببقاء السيادة للشرع، لا ببقاء الأشخاص. فإذا استقر هذا الأصل في الوعي، استقام الحكم، وانضبطت الجيوش، وثبتت الأمة أمام كل تحدٍ، لأن الذي يقودها حينئذٍ ليس رجلاً مهما عظم، بل حكم الله الذي لا يتغير.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر