- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
بين واشنطن وتل أبيب وطهران
هل يكشف الاتفاق حدود الخلاف أم يعيد تعريف عمق التحالف؟
مقدمة
يُقرأ الاتفاق الأمريكي-الإيراني الأخير في دوائر المراقبة والسياسة على أنه حدث يعيد ترتيب أوراق المنطقة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس حول مضامين الاتفاق بقدر ما هو حول تداعياته على العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فهل نحن أمام شرخ وشيك بين الحليفين العريقين كما تصوره عديد وسائل الإعلام؟ أم أن الخلاف المتنامي بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو ليس سوى فقاعة عابرة في بحر استراتيجي لا تتزعزع قواعده بفعل العواصف؟
الكيان: رهان أمريكا الاستراتيجي
إن هذا السؤال، في حقيقته، ليس سوى فخّ معرفي. فمن يقرأ التاريخ السياسي للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب، يدرك أن هذه العلاقة كانت دوماً أعمق من أن تُحكم بشخص رئيس، وأطول من عمر أي حكومة عابرة. إنها ليست علاقة صداقة، ولا حتى تحالفاً عسكرياً تقليدياً؛ إنها رهان استراتيجي لم تصنعه أمريكا وحدها، بل ورثته عن التصورات الاستعمارية الغربية التي سبقتها، وخاصة عن بريطانيا التي زرعت بذور كيان يهود في فلسطين عبر وعد بلفور، ومن قبله عبر مؤتمر كامبل الذي حدد آليات تجسيد الحلم الصهيوني القاضي بإقامة "الدولة اليهودية" كما جاء على لسان تيودور هرتزل خلال مؤتمر بازل في سويسرا سنة 1897م، ثم سهلت ولادته على مدى عقود من الانتداب.
غير أن الولايات المتحدة، حين التقطت هذا الرهان، لم تتعامل معه بوصفه إرثاً استعماريّاً يجب حفظه، ولا كآلية لضمان استمرارية مكاسب مؤتمر كامبل فحسب، بل أعادت صياغته من جذوره، وجعلت منه مشروعاً أمريكياً خالصاً، يخضع لمنطق مصالحها، ولمشروع هيمنتها، فحوّلته إلى ركن أساسي في سياستها الشرق أوسطية، وأضفت عليه شرعية سياسية وعسكرية جعلته أكثر من مجرد كيان يفت في عضد الأمة؛ ثم مدّته بكل أسباب القوة والبقاء، حتى غدا ذراعاً أمريكيّاً فتّاكا في وجه أي مشروع إقليمي بديل، وبخاصة إذا كان أساسه الإسلام.
وهذا الإدراك هو ما يجعل الخلافات حول الاستيطان أو الملف الفلسطيني أو حتى البرنامج النووي الإيراني، تبقى دائماً ضمن حدود المناورة التكتيكية، لا ضمن صراع القرارات المصيرية. فالولايات المتحدة قد تختلف مع سياسات نتنياهو، وقد تنتقد توسع المستوطنات، لكنها، في اللحظة الحاسمة، تقف إلى جانب كيانها المدلل، ليس حباً فيه، بل دفاعاً عن مشروعها الحضاري نفسه في المنطقة، وهو مشروع راهنت عليه أمريكا كأحد ثوابتها الاستراتيجية ما دامت متزعمة لقيادة الحضارة الغربية الرأسمالية المحاربة لعودة الإسلام في معترك الحياة. والأعقد من ذلك في المعادلة الأمريكية، أن إيران نفسها التي ظلت لعقود تدور في فلك أمريكا وتخدم مصالحها في المنطقة، شكلت قوة موازنة قادرة على كبح جماح الكيان، ولذلك تسمح لها أمريكا كلما اقتضت مصالحها الاستراتيجية بردعه بالقدر الذي لا يشكل خطرا على وجوده.
كيان يهود: ليس حليفاً، بل ركيزة وجودية
لقد تعاقب على البيت الأبيض ديمقراطيون وجمهوريون، ومرّ الكيان بحكومات يمين ويسار، ومع ذلك، ظل في موقعه، ليس لأنه محبوب، بل لأنه ضرورة جيوسياسية. وحتى في ذروة الخلاف بين أوباما ونتنياهو حول الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، حين بلغت حدة الخطاب مستوى غير مسبوق، لم يمسّ ذلك الجوهر الاستراتيجي للعلاقة. فالجوهر لا يتزعزع بفعل العواصف السطحية.
ففي نظرة واشنطن العميقة، لا يمثل كيان يهود مجرد شريك عسكري، بل هو العمود الفقري لهندسة إقليمية رسمتها أمريكا بعد الحرب الباردة. إنه الحارس الأمين لحدود النفوذ الغربي، والعين الساهرة على مضيق النفط، والسد المنيع أمام أي مشروع إقليمي بديل. إنه، باختصار، النموذج الغربي المسلح في قلب الشرق الأوسط والقاعدة العسكرية المتقدمة للغرب في بلاد الإسلام.
إيران: إدارة الأزمة، لا إنهاء التهديد
في هذا السياق، يمكن قراءة الاتفاق الأخير مع إيران كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات إدارة التهديد، لا القضاء عليه. فالإدارة الأمريكية لا تعتقد - ولن تعتقد - أن إيران ستتخلى طوعاً عن طموحاتها النووية أو الإقليمية. لكنها تراهن على أن الخطر يمكن احتواؤه وتنظيمه ضمن قفص من المراقبة الدولية، خاصة وقد منيت بفشل عسكري ذريع في احتواء الأزمة أضر بصورتها وعرّض هيبتها للتآكل.
وهنا يتجلى جوهر التباين مع الكيان. ففي حين ترى واشنطن أن التخصيب الخاضع للرقابة والتغاضي عن بعض الصواريخ الباليستية لفترة قادمة، قد يكون ثمناً مقبولاً لتجنب حرب إقليمية، يرى قادة الكيان في ذلك خيانة للمعيار الأخلاقي، وتهديداً وجودياً لا يمكن التهاون فيه. إذ لا يكمن الخطر (في نظرهم) في امتلاك إيران السلاح النووي فحسب، بل في امتلاكها القدرة التقنية التي تسمح لها بالقفز نحو السلاح في أي لحظة تختارها. من هنا، كان البند الثامن من الاتفاق، الذي يسمح باستمرار التخصيب المدني، بمثابة شوكة في خاصرة الأمن الصهيوني؛ يُقرأ كفرصة لإيران، وتهديدٍ مبطنٍ للكيان، وبالتالي نقطة خلاف مستقبلي مع أمريكا.
لكن هذا الخلاف التكتيكي لا ينفي وحدة الهدف الاستراتيجي بين الطرفين: منع إيران من التحول إلى قوة نووية عسكرية. وهكذا، يبدو الخلاف في سرعة الانطلاق التي تراعي العوامل الاقتصادية وتكاليف الحرب، لا في الوجهة النهائية.
نتنياهو بين مطرقة الردع وسندان التحالف
في مواجهة هذا الواقع، يجد نتنياهو نفسه في مربع سياسي معقد. فهو لا يستطيع القبول باتفاق يرى فيه خطراً وجودياً، لكنه في الوقت نفسه يدرك تمام الإدراك أن الدخول في مواجهة مع واشنطن هو انتحار سياسي واستراتيجي. لذلك يحاول مجددا مسايرة غضب الإدارة الأمريكية وقد تعود على سيل من الانتقادات مع كل محنة من هذا النوع. إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار ما يمكن تسميته بسياسة الاعتراض المحسوب: رفع سقف التصريحات، وتكثيف الضربات الأمنية ضد النفوذ الإيراني والتي قد لا تقف عند لبنان، وتكثيف نشاط الموساد في اختراق إيران وأدواتها، والتأكيد على حق (إسرائيل) في الدفاع عن نفسها، مع تجنب الوصول إلى قطيعة حقيقية مع واشنطن، وبالتالي إلى قطع حبل المساعدات العسكرية.
إنه نموذج نتنياهو الأثير: الصراخ في العلن، والعمل في الظل، وهو نموذج أتقنه خلال عقدين من الزمن في مواجهة الإدارات الأمريكية المتعاقبة. أما ترامب الذي وبخه ووصفه بالمجنون إثر استهداف ضاحية بيروت عشية توقيع الاتفاق مع إيران، فهو نفسه الذي أكد بعد ذلك في تصريحات لهيئة البث في كيان يهود، أن لديه علاقة جيدة مع نتنياهو، لكنه يحتاج إلى أن يكون أكثر عقلانية، مؤكدا استعداده للقائه، كما أضاف قائلا: "من المرجح أن أدعم نتنياهو في الانتخابات القادمة". (الأناضول، 2026/06/18)
هل يمكن لكيان يهود أن يتحرك منفرداً؟
هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا لو قرر الكيان توسيع عملياته ضد إيران أو ضد حزبها في لبنان بطريقة تعيد خلط الأوراق وتضع الاتفاق تحت ضغط لا يحتمل؟
هذا السؤال طُرح على ترامب على هامش أشغال قمة مجموعة السبع في فرنسا، فكان الجواب جاهزاً، يتضمن مقترحاً بأن يترك كيان يهود لسوريا بقيادة الشرع مهمة التعامل مع حزب إيران في لبنان، بحجة أن دمشق "ستقوم بالمهمة على نحو أفضل".
هذا المقترح تزامن مع صدور تقرير يتحدث عن إمكانية استئناف المفاوضات بين سوريا وكيان يهود، وبحسب هيئة البث العام "كان 11"، فإن المحادثات المرتقبة ستُدار عبر قناة موازية للمسار التفاوضي المباشر القائم بين كيان يهود ولبنان. ووفقاً للتقرير، فإن ترامب يدفع باتجاه استئناف الحوار بين دمشق وتل أبيب، انطلاقاً من رغبته في إشراك الرئيس السوري، أحمد الشرع، في جهود تستهدف إضعاف حزب إيران في لبنان. وهنا نعود إلى طرح السؤال نفسه: هل يمكن للكيان أن يتحرك منفرداً في سوريا أو لبنان؟
الجواب كان واضحاً في تصريح وزير حربه كاتس بتاريخ 2026/06/12، أي أياماً قبل توقيع الاتفاق بين أمريكا وإيران، حيث دعا إلى ضمان قدرة كيانه على التحرك منفردا ضد إيران، كما توعد بمواصلة احتلال مناطق في سوريا ولبنان وغزة، واستمرار العمليات العسكرية في مخيمات شمالي الضفة. (الأناضول، 2026/06/12)
للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر وكأنه تحدي كيان يهود لإرادة أمريكا. لكن الحقيقة أن نتنياهو ليس فاعلاً مستقلاً، بل لاعب في مسرح رسمت أمريكا أبعاده، وهو يتحرك في هامش الحركة المسموح، مهما رفع صوته أو غلّظ لهجته.
فمن جهة، يعكس تجانس الرسائل السياسية في التعاطي مع الملف السوري واللبناني نوعاً من تبادل الأدوار بين أمريكا والكيان، بحيث يُسند إلى الكيان دور المستفز الميداني الذي تدفع تحركاته العسكرية في لبنان وسوريا إلى طاولة المفاوضات الأمريكية واليهودية نفسها، ومن جهة أخرى، فالأكيد أن البيت الأبيض لن يسأل في لحظة المواجهة الكبرى: "هل نريد مساعدة نتنياهو؟"، بل سيسأل: "هل يمكننا تحمل تبعات إضعاف هذا الكيان استراتيجياً؟"
وهنا تكمن المفارقة التي قد يغفل عنها بعض المتابعين. فالولايات المتحدة، حتى وهي تختلف مع حكومة يهود، تدرك أن أي تراجع في القدرة الردعية لكيان يهود سيفتح الباب على مصراعيه أمام النفوذ الإيراني، ويعيد خلط أوراق التوازن الإقليمي برمته. لأن إضعاف كيان يهود لا يعني خسارة حليف فحسب، بل يعني إعادة تشكيل الشرق الأوسط دون الولايات المتحدة كلاعب أساسي، وهو سيناريو لا يمكن لواشنطن تحمله.
عند تلك النقطة، لا يعود السؤال متعلقاً بمساندة الكيان، بل بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على توازن إقليمي يشكل كيان يهود أحد أعمدته.
ما وراء الأشخاص: صراع حضاري لا علاقة ظرفية
ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة المرحلة الراهنة هو اختزال الصراع في شخص ترامب أو نتنياهو. فما نشهده اليوم ليس مجرد خلاف بين رئيسين، بل فصل جديد في صراع حضاري قديم-جديد بين مشروعين: مشروع غربي رأسمالي، يستند إلى القوة والنفوذ والهيمنة، ومشروع إسلامي نهضوي، يسعى إلى استعادة دوره الحضاري. وتكتسب تصريحات نتنياهو المحذّرة من قيام "خلافة إسلامية" معنى خاصاً، إذ تعكس قناعة راسخة بأن الصراع مع إيران ليس سوى جبهة واحدة في مواجهة مشروع شامل يهدد الأسس الغربية للشرق الأوسط، وأن الكيان ليس مجرد طرف إقليمي، بل حامي حدود الحضارة الغربية.
وموقف الغرب، بقيادة أمريكا، من هذا الصراع ليس خياراً تكتيكياً، بل رد فعل وجودي على مشروع حضاري يهدد بإعادة تعريف المنطقة. وما كان من عملية طوفان الأقصى إلا بداية تجلٍّ لهذا الخطر؛ حين استطاعت ثلة مؤمنة، لا تملك طائرات ولا دبابات، أن تزعزع أركان الكيان وتُحدث شرخاً في جدار مناعته. فإذا كانت هذه قدرة جماعة محاصرة في قطاع ضيق، فما بالنا بقيام خلافة إسلامية توحّد الأمة؟ حينها لن يكون التهديد زلزالاً عابراً، بل تحولاً جيوسياسياً يعيد تشكيل الخريطة من أساسها.
وفي تناقض صارخ، يصر ترامب على أنه أوجد كيان يهود، وهو ما لا يعنيه حرفياً، بل يعني أنه أعاد تعريفه كـ"إسرائيل المعربدة"؛ بنقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالجولان، ومزق الاتفاق النووي، وفتح الباب أمام تطبيع غير مشروط، محولاً إياه من حليف مقيّد إلى ذراع جامحة. غير أن مبعوثه هاكابي يقول عكس ذلك: "بدون إسرائيل، لما كانت هناك أمريكا". بين الادعاءين المتناقضين، يتبدى أن ترامب، بنرجسيته، لا يريد أن يكون رئيساً عابراً، بل حامي الحضارة الغربية، وهذه الأسطورة يحتاج أن يكتبها بنفسه. في ضوء ذلك، يصبح الاتفاق الأمريكي-الإيراني مجرد أداة في صراع أكبر، لا يغير حقيقة أن الكيان وأمريكا شريكان في مواجهة وجودية واحدة.
خاتمة: الشرق الأوسط على حافة التحول
في النهاية، لا يمكن قراءة التطورات الراهنة بمعزل عن السؤال المصيري: هل نحن أمام مجرد إعادة ترتيب للعلاقات التحالفية، أم أمام حسم في صراع الحضارات؟
تشير المؤشرات إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة من التململ الجيوسياسي غير المسبوق. وكلما تقدمنا في هذا المسار، أدركنا أن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب ليس سوى انعكاس لضغوط الصراع الأعمق الذي يوجب على قادة الكيان تحمل جزء من تبعات هذا الضغط ونتائج الإجهاد الاستراتيجي الذي أنهك الدولة الأولى في العالم بل هز مكانتها المعنوية والسياسية. لكن الثابت في هذه المعادلة هو أن كيان يهود، بأخطائه وصوابه، وبحكوماته اليمينية أو الوسطية، سيظل يشغل موقعاً استراتيجياً في قلب التصورات الأمريكية، ليس لأنه محق، بل لأنه ضروري للحلم الأمريكي بالهيمنة.
وإذا كان الاتفاق مع إيران بمثابة اختبار لهذا الثبات، فإن ما بعد الاتفاق سيكون الإجابة النهائية على سؤال إشكالي طالما أقلق المحللين: هل الصراع بين واشنطن وتل أبيب حول التكتيك، أم أنه نذير تحول استراتيجي خطير؟
حتى هذه اللحظة، تبقى الإجابة تميل نحو الخيار الأول، ومع ذلك نسأل الله سبحانه أن ينفرط العقد من أيدي هؤلاء العابثين بمصير الأمة وأن ينقلب السحر على الساحر عاجلاً غير آجل، وأن تقوم الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي تبعثر أوراقهم وتربك حساباتهم. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس وسام الأطرش