الأربعاء، 08 رمضان 1447هـ| 2026/02/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

المكتب الإعــلامي
ولاية مصر

التاريخ الهجري    7 من رمــضان المبارك 1447هـ رقم الإصدار: 1447 / 25
التاريخ الميلادي     الثلاثاء, 24 شباط/فبراير 2026 م

 

 

بيان صحفي

"كاري أون" ترقيع رأسمالي في ثوب التطوير أم حلّ جذري لأزمة الغلاء؟

 

 

مع إعلان الدولة إطلاق سلسلة "كاري أون" كمظلّة موحّدة للمجمعات الاستهلاكية ومنافذ البيع الحكومية، بدا المشهد وكأنه محاولة لإعادة هندسة صورة التجارة الداخلية؛ لافتات جديدة، تنظيم أفضل، خطاب يتحدّث عن المنافسة وضبط الأسعار. لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هل نحن أمام تحوّل في فلسفة إدارة الاقتصاد، أم مجرد إعادة ترتيب للأدوات داخل النظام ذاته؟

 

من زاوية الإسلام، لا تُقاس السياسات بظاهرها الإداري، بل بجذورها الفكرية وبالنظام الذي تنبثق عنه. فالنظام الاقتصادي ليس إجراءات متفرقة، بل هو أحكام أساسها عقيدة، ويحدّد شكل الملكية، وآلية توزيع الثروة، وطبيعة النقد، وموقع الدولة من السوق.

 

أزمة الغلاء في مصر ليست وليدة نقص منافذ البيع، ولا غياب العلامة التجارية الموحّدة. أصل الأزمة يكمن في تبنّي النظام الرأسمالي بما يحمله من عملة ورقية لا قيمة لها في ذاتها وارتهان للديون الربوية التي تستنزف الموارد والجهود، مع ربط الأسعار بالسوق العالمية وتقلباتها، إلى جانب فتح الباب لاحتكار السلع وتغوّل رأس المال.

 

في هذا السياق، تُسوق "كاري أون" كخطوة تنظيمية لتحسين الكفاية وربما تخفيض هامش الربح، لكنها تبقى تعمل داخل الإطار ذاته: اقتصاد حرّ موجّه، نقد ورقي بلا غطاء، ديون تتراكم، وسوق تحكمه آليات العرض والطلب في بيئة مختلّة.

 

المسألة لا تقف عند حدود تطوير منافذ بيع، بل تتعلق بطبيعة القوى المهيمنة على مفاصل الاقتصاد. فمنذ سنوات، توسّع حضور الجنرالات في قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي: من الغذاء إلى المقاولات إلى الاستيراد والتوزيع. وحين يُطلق مشروع جديد تحت مظلة الدولة، فإن السؤال المشروع هو من يملك حق الإدارة الفعلية؟ ومن يحصد الامتيازات؟

 

إن إشراك دوائر النفوذ العسكري في المشاريع الاقتصادية لا يعني بالضرورة أن الهدف هو رفع الغلاء عن الناس؛ بل عادة يتحوّل الاقتصاد إلى مساحة امتيازات مغلقة، تُمنح لضمان الولاء السياسي، ويُعاد تدوير الأرباح داخل شبكة السلطة. وفي ظل نظام يقوم على تثبيت الحكم عبر توزيع المنافع على مراكز القوة، فيصبح المشروع الاقتصادي أداة ترسيخ سلطة قبل أن يكون أداة رعاية شؤون.

 

بهذا المعنى، قد تُقدَّم "كاري أون" باعتبارها مبادرة إنسانية، بينما تُدار فعلياً بعقلية تعظيم السيطرة وتوسيع النفوذ الاقتصادي للنخب الحاكمة، فيتحول السوق إلى مجال إحكام قبضة، لا إلى ساحة عدل ورعاية.

 

الفكرة المطروحة أن الدولة تنافس القطاع الخاص لتوفّر السلع بسعر أقل، لكن هل وظيفة الدولة أن تنافس التجار؟ أم أن وظيفتها رعاية شؤون الناس وفق أحكام الشرع؟

 

الملكية في الإسلام تنقسم إلى: ملكية فردية، وملكية عامة (كالمعادن والطاقة والمرافق الكبرى)، وملكية دولة.

 

الملكية العامة: الثروات الكبرى الدائمية وشبه الدائمية هي ملك للأمة، تديرها الدولة نيابة عنها، وعوائدها تُصرف على الرعاية، لا على سداد ربا الديون. ولا تحتاج الدولة إلى سلسلة متاجر لتخفيف آثار الغلاء؛ بل تملك من موارد الأمة ما يمكّنها من تحقيق وفرة حقيقية واستقرار في الأسعار.

 

أما حين تُخصخص الموارد أو تنهب، أو تُدار بعقلية تجارية، أو تُوجَّه عوائدها لسداد التزامات ربوية، فإن الدولة تضطر إلى الدخول في منافسة السوق لتدارك الخلل الذي صنعته بنفسها.

 

الرأسمالية تجعل السوق هو الحكم النهائي في تحديد السعر، وتتدخل الدولة استثنائياً عند الأزمات. أما في الإسلام، فالأصل ترك الأسعار لتفاعل العرض والطلب، مع منع الاحتكار، وتجريم الغش، وإزالة الأسباب المصطنعة للغلاء.

 

الفرق الجوهري أن الإسلام لا يسمح ببنية اقتصادية تُنتج أزمات دورية ثم تعالجها بإجراءات إسعافية، بل يبني اقتصاداً منضبطاً بأحكام شرعية تمنع تشكّل الخلل ابتداءً.

 

فهل تعالج "كاري أون" احتكار السلع الاستراتيجية؟ وهل تغيّر سياسة النقد؟ وهل تنهي التبعية للمؤسسات الاستعمارية الغربية؟ أم أنها تحسّن واجهة البيع فقط؟

 

إن تطوير المنافذ وتحسين العرض قد يخفف معاناة بعض الناس مرحلياً، لكن الرؤية الفكرية العميقة تميّز بين: إدارة أزمة داخل النظام، وتغيير النظام الذي يُنتج الأزمة. تحويل المجمعات الاستهلاكية إلى علامة موحّدة قد يرفع الكفاية، أو يجعلها شركة مؤهلة للبيع فيما بعدُ لمستثمرين أجانب، لكنه لا يغيّر طبيعة الاقتصاد الذي يربط الخبز بسعر الدولار، والزيت بسعر البورصات العالمية، ويجعل الموازنة رهينة خدمة الدين.

 

إن الحل ليس في تحسين أدوات الرأسمالية، بل في استبدال نظام اقتصاد إسلامي كامل بها، يحرم الربا ويمنع القروض الربوية، ويعتمد نقدا له قيمة حقيقية في ذاته كالذهب والفضة أو ورقة نائبة عنهما، ويمنع الاحتكار ويضبط السوق بالأحكام الشرعية، إلى جانب إدارة الملكيات العامة لصالح الأمة، وضمان كفاية الحاجات الأساسية لكل فرد: مأكل، وملبس، ومسكن. ففي ظل هذا النظام، لا يكون ضبط الأسعار مشروعاً تسويقياً، بل نتيجة طبيعية لاستقرار نقدي وعدل في التوزيع.

 

إن كل مشروع اقتصادي يحمل رسالة سياسية، وإطلاق "كاري أون" في ظل موجات الغلاء يحمل رسالة تهدئة: الدولة موجودة، تتدخل، تنافس، تضبط. لكن الرسالة الأعمق التي ينبغي أن تُناقش هي، لماذا احتاج الناس أصلاً إلى هذا التدخل؟ ولماذا تكررت الأزمات حتى صار الإصلاح الجزئي يُسوَّق كإنجاز كبير؟ إن التغيير الحقيقي لا يبدأ من واجهات المتاجر، بل من تغيير الأساس الفكري الذي تُبنى عليه السياسات.

 

يا أهل الكنانة: إن معاناتكم ليست أزمة عابرة تُحلّ بلافتة جديدة أو سلسلة متاجر حديثة. مشكلتكم في النظام الذي جعل أرزاقكم رهينة الديون، وأسعاركم رهينة الغرب، وثرواتكم منهوبة بعيدة عن أيديكم.

 

إن الإسلام لم يأتِ ليكون وعظاً روحياً فحسب، بل جاء كنظام شامل، ينظّم المال كما ينظّم العبادة، ويجعل الرعاية فرضاً على الدولة، لا منّة منها. فلا تنخدعوا بالمسكنات، واطلبوا العلاج الجذري، وكونوا على وعي بأن التغيير الحقيقي يبدأ من تغيير الأساس الذي يُدار به الاقتصاد، لا تغيير الوجوه والأدوات التي تنفذ السياسات وﻻ حتى واجهة هذه السياسات.

 

يا أجناد الكنانة: إنكم جزء من هذا الشعب الذي يكتوي بنار الغلاء، وإن مسؤوليتكم ليست أمنية فحسب، بل تاريخية؛ أن تنحازوا للحق، وأن تدركوا أن قوة الأمة لا تكون بحماية نظام رأسمالي ظالم، بل بإقامة نظام عادل يرفع الظلم عن الناس.

 

إن الإسلام الذي أقسمتم على خدمته هو ذاته الذي يوجب إقامة العدل، ويحرّم الربا، ويجعل الثروات للأمة لا لفئة، ويحمّل الحاكم مسؤولية الرعاية لا الجباية. واعلموا أن المعيار ليس عدد المنافذ، ولا جمال اللافتات، بل مدى اقترابنا من حكم الله في شؤون اقتصادنا ومعايشنا. المعيار فيما سيسألنا الله عنه من تطبيق أحكام الإسلام الغائبة وإقامة دولته المفقودة من جديد، فكونوا أنتم جنودها وأنصارها ومن يعيدها درة في تاج الأمة عسى الله أن يقبل منكم ويفتح على أيديكم فيكون عز الدنيا وكرامة الآخرة.

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير
ولاية مصر
عنوان المراسلة و عنوان الزيارة
تلفون: 
www.hizb.net
E-Mail: info@hizb.net

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع