- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-06-17
جريدة الراية:
استضافة خمسين وزيراً أفريقياً في كوريا الجنوبية
يعكس حجم ثقلها الاقتصادي والإقليمي
إنّ حضور وزراء خارجية 50 دولة أفريقية في الثاني من حزيران/يونيو الجاري إلى العاصمة الكورية الجنوبية سيئول بترتيب من الحكومة الكورية بشكل مستقل يُعتبر - من ناحية مبدئية - نجاحاً سياسياً عالي المستوى، بل إنّه يعد في عرف الدول الدبلوماسي حدثاً تاريخياً حقيقياً.
ولم يقتصر المؤتمر الأفريقي الكوري الجنوبي على حضور 50 وزيراً للخارجية من معظم الدول الأفريقية في إطار أول اجتماع وزاري مشترك مع كوريا الجنوبية، بل حضر الاجتماع أيضاً بالإضافة إلى وزراء الخارجية رؤساء وفود عن ممثلين من عدة منظمات إقليمية أفريقية مهمة من مثل الاتحاد الأفريقي وبنك التنمية الأفريقي ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وانعقد المؤتمر تحت عنوان: "الشراكة من أجل الاستجابة المشتركة لتحديات العالم في عصر التحول"، وافتتح وزير خارجية كوريا الجنوبية تشو هيون المؤتمر بالتأكيد على ضرورة التكيف مع التحولات المتسارعة في النظام الدولي، وما نشأ بها من اضطرابات سلاسل الإمداد وتزايد المخاوف بشأن الأمن الغذائي والطاقة، وهو ما جعل أفريقيا أكثر أهمية من أي وقت مضى على الساحة الجيوسياسية والاقتصادية.
ويهدف اجتماع الوفود الأفريقية في سيئول إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين كوريا الجنوبية ودول القارة الأفريقية أملاً في معالجة التحديات العالمية المتعلقة بالذات بسلاسل التوريد والطاقة والأمن الغذائي، وقال وزير خارجية كوريا الجنوبية تشو هيون: "إنّ الاجتماع يعقد في وقت يشهد فيه النظام العالمي تغيرات متسارعة، ويواجه فيه العالم تحديات متعددة الأبعاد تتعلق بالإمدادات والطاقة والغذاء"، وأكد أنه في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط والغموض المحيط بمضيق هرمز "تكتسب الدول الأفريقية أهمية جيوسياسية واقتصادية متزايدة، ما يجعل التعاون الوثيق بين سيئول ودول القارة الأفريقية أكثر ضرورة من أي وقت مضى".
وبحث المشاركون الأفارقة مع الكوريين الجنوبيين قضايا عدة كالتجارة والاستثمار والعلوم والتكنولوجيا وسلاسل التوريد وتغير المناخ والرعاية الصحية والأمن والتنمية.
وشارك على هامش القمة في اجتماعات ثنائية مع الكوريين الجنوبيين حوالي 300 ممثل أفريقي من القطاع الخاص يمثلون الأعمال والمؤسسات والخبراء، وناقشوا فرص الاستثمار الجديدة والتعاون الصناعي وتعزيز سلاسل التوريد.
ويأتي اهتمام كوريا الجنوبية بالقارة الأفريقية على ضوء إدراكها المتزايد لأهمية القارة الاستراتيجية لما تملكه من موارد طاقة ومعادن، ولكونها أصبحت مسرحاً دولياً للتنافس المفتوح على الساحة العالمية، إذ تزداد أهمية أفريقيا جيوسياسياً واقتصادياً لأسباب عدة منها وجود حالة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وإغلاق مضيق هرمز وهو ما يجعل التعاون بين كوريا الجنوبية والدول الأفريقية "ضرورة ملحّة" كما صرّح بذلك تشو هيون خلال افتتاحه للجلسة الأولى للمؤتمر والذي وصف فيه أفريقيا بأنّها قارة المستقبل، واستند في كلامه هذا إلى ثلاثة عوامل رئيسية وهي:
1. قوتها الديموغرافية إذ يشكل الشباب نسبة كبيرة من سكانها.
2. موقعها الاستراتيجي على مفترق الطرق البحرية بين المحيطين الأطلسي والهندي وخليج عدن.
3. احتياطاتها الضخمة من المعادن الحيوية التي تستخدم في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
لا شك أنّ هذا المؤتمر يأتي في إطار مساعي كوريا الجنوبية لتعزيز حضورها في القارة الأفريقية وتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري معها، وتدرس تنظيم فعاليات وقمم إضافية خلال السنوات المقبلة ومن بينها قمة أخرى للمعادن بهدف تعزيز العلاقات التجارية، إلى جانب عقد قمة ثالثة عام 2029 لمواصلة تطوير الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين.
إنّ كوريا الجنوبية اليوم دولة متطورة اقتصادياً فهي تصنف كثالث أكبر اقتصاد في قارة آسيا بعد الصين واليابان وتعتبر رابع دولة في العالم في تسجيل براءات الاختراع بعد الصين وأمريكا واليابان، وتسبق ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وتحتل المرتبة الثالثة عشرة عالمياً من حيث حجم اقتصادها الإجمالي.
وكوريا الجنوبية هي دولة قوية عسكرياً إذ تملك أقوى الدفاعات الصاروخية من صنعها وهو ما جعلها تعتبر من أقوى دول العالم في المجال الصاروخي وفي مجال الدفاعات الصاروخية بعد القوى العظمى الرئيسية.
فهذه المزايا لكوريا الجنوبية تجعلها بالفعل دولة إقليمية كبرى بامتياز، وهي وإن كانت تتعاون مع أمريكا في مواجهة الصين إلا أنها ليست دولة تابعة لأمريكا بالمفهوم السياسي المعروف، فحكامها ليسوا عملاء، ولها نظام حكم يملك مؤسسات رأسمالية راسخة، وقد أفشلت تلك المؤسسات العام الماضي مخططات الرئيس السابق في الانقلاب على الحكومات المنتخبة، وأسقطته من الحكم بالرغم من دعم الجيش له، وأحالته إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى.
وهذا المؤتمر الذي نظمته كوريا الجنوبية هذه الأيام مع قادة دول القارة الأفريقية يضعها في مصاف الدول الكبرى التي تتنافس للاستحواذ على مقدرات القارة السوداء، كما ويضعها وجهاً لوجه أمام الصين التي باتت تكتسح بلدان القارة الأفريقية بلداً تلو الآخر كالبلدوزر بمشاريعها التنموية العملاقة، والتي لم تستطع أمريكا ولا جميع الدول الغربية إيقافها، لذلك اضطرت أمريكا للاستعانة بكوريا الجنوبية لمواجهة الصين.
وإذا نجحت كوريا الجنوبية في وضع رجل لها في أفريقيا فهذا يعني انتقالها من مرحلة سياسية محلية إلى مرحلة سياسية إقليمية لربما تتجه في المستقبل نحو العالمية.
بقلم: الأستاذ أحمد الخطواني
المصدر: جريدة الراية



