- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الديمقراطية: حيث يمتلك رجل واحد ثروة تعادل ثروة ألف ملياردير!
(مترجم)
الخبر:
"قفزت أسهم شركة سبيس إكس بنسبة 19% في أول ظهور لها في بورصة ناسداك... ما جعل إيلون ماسك أول تريليونير في العالم". (رويترز، 12 حزيران/يونيو 2026)
التعليق:
إن ثروة ماسك، التي تعززت بفضل التقييم الاستثنائي لشركة سبيس إكس، لا تمثل مجرد نجاح شركة خاصة، بل تكشف عن تناقضات داخل الديمقراطية الرأسمالية: فالديمقراطية، في نظر البعض، تَعِدُ بالمساواة السياسية، بينما الرأسمالية، إذا تُركت لمنطقها الخاص، فإنها تُركز القوة الاقتصادية بشكل هائل. الآن، ولأول مرة في تاريخ البشرية، وصل التفاوت بين الأغنياء والفقراء إلى تريليون دولار. ليس مليون دولار، ولا حتى مليار، بل ألف مليار دولار! ثروة ماسك الآن تزيد عن ضعف الناتج المحلي الإجمالي للبلد الذي وُلد فيه: جنوب أفريقيا!
وصل ماسك إلى هذا المستوى من الثروة من خلال بناء الشركات. فقد ساهمت تسلا في تسريع التحول نحو السيارات الكهربائية، مع أن مساهمة الصناعات الصينية الحكومية في هذا المجال كانت أكبر بكثير. فقد أحدثت سبيس إكس نقلة نوعية في اقتصاديات إطلاق المركبات الفضائية، وبنت ستارلينك لتصبح شبكة اتصالات فضائية رئيسية. تكمن المشكلة في أن النظام الرأسمالي يسمح بتراكم جزء كبير من القيمة التي يخلقها العمال والمستهلكون والبنية التحتية العامة والعقود الحكومية والبحوث العلمية ومضاربات المستثمرين حول شخص واحد.
ليس هذا من قبيل الصدفة، بل هو أحد سمات النظام الرأسمالي. فالرأسمالية تكافئ الملكية. إذ يمكن لمن يملكون الأسهم والمنصات وبراءات الاختراع والبيانات والأراضي والبنية التحتية أن يروا ثرواتهم تتضاعف بوتيرة لا تستطيع الأجور مجاراتها. يحصل المالك على مكاسب رأسمالية وقوة تصويت ونفوذ وسلطة. وكلما تراكم رأس المال، زادت قدرته على حماية نفسه ومضاعفته. قد يحصل العامل على فتاتٍ من مائدة الطعام على شكل راتبٍ زهيدٍ لدرجة أن عدد الأمريكيين الذين يعملون في وظيفتين بدوام كامل قد تضاعف منذ عام ٢٠٢٠.
لهذا السبب، ينبغي أن تُعيد لحظة ثروة ماسك الهائلة التي بلغت تريليون دولار طرح سؤالٍ أكثر جوهرية: ما المقصود بالديمقراطية في الدول الديمقراطية؟ بالنسبة للبعض، الديمقراطية مجرد نظام انتخابي؛ حيث تتنافس الأحزاب، ويُدلي الناس بأصواتهم، وتتغير الحكومات، ويُعتبر ذلك كافياً. لكن بالنسبة لآخرين، فإن الديمقراطية تعني أكثر من مجرد انتخابات، بل إنها تعني تكافؤ الفرص، والمواطنة الفاعلة، والتحرر من هيمنة من يملكون نفوذاً مجتمعياً واقتصادياً هائلاً. وفقاً لهذا التصور، تجعل القوى المتنافسةُ في الدول الغربية الديمقراطيةَ حلماً بعيد المنال بالنسبة لمعظم الناس، الذين لا يملكون سوى القدرة على إطعام أسرهم ودفع نفقاتهم الطبية.
قد يمتلك الإنسان الفقير والملياردير صوتاً واحداً، لكنهما لا يملكان القوة السياسية نفسها. فالملياردير يستطيع تمويل المرشحين، وتوجيه الخطاب الإعلامي، وتمويل شبكات الضغط، والتأثير على النقاش العام، ودعم مراكز الأبحاث، والتهديد بنقل الاستثمارات، وأحياناً، كما هو الحال مع ماسك، التواصل مباشرةً مع الملايين عبر منصات مملوكة للقطاع الخاص. بينما يتمتع الإنسان الأقل ثراءً بالمساواة الشكلية، لكن تأثيره العملي محدود. ينص القانون على المساواة بينهما، بينما يخالفه الواقع الاقتصادي السياسي.
يتحدث المدافعون عن الرأسمالية عن الحرية: حرية الاستثمار، والبناء، والمنافسة، والاستهلاك، والربح. لكن سيطرة رأس المال المطلقة تُقلّص حرية الآخرين. فإذا هيمن الأثرياء على الإسكان، والتوظيف، والإعلام، والمنصات الرقمية، والتبرعات السياسية، والوصول إلى صناع القرار، فإن عامة الناس يظلون أحراراً قانونياً، لكنهم مُقيّدون مادياً. لهم حرية التصويت، لكن ليس لهم حرية متساوية في صنع السياسة. لهم حرية التعبير، لكن ليس لهم الحق نفسه في إيصال صوتهم. لهم حرية العمل، لكنهم غالباً ما يكونون غير متحررين من التبعية. في الولايات المتحدة، تهيمن لجان العمل السياسي الكبرى، والأموال المشبوهة، وكبار المانحين الذين يتجاوز نفوذهم بكثير نفوذ الناخبين العاديين. يمكن للديمقراطية أن تحافظ على مظهر المنافسة الانتخابية بينما يزداد اعتمادها على فئة صغيرة من الممولين.
تلجأ الحكومات إلى حلول جزئية لمنع انهيار المجتمع، فتقوم بتفكيك الاحتكارات، والتصدي لعمليات الاندماج، وتنظيم تمويل الحملات الانتخابية، وفرض ضرائب على مكاسب معينة، أو التحقيق في البرامج السياسية. هذه الإجراءات لا تعالج سوى الأعراض، وليس السبب الجذري للمشكلة. فتفكيك احتكار واحد لا يمنع في حد ذاته إعادة تركيز رأس المال في مكان آخر، كما أن سد ثغرة ضريبية واحدة لا يمنع الثروة من شراء النفوذ السياسي عبر مسار آخر.
لا يحظر الإسلام التجارة أو الملكية الخاصة، لكن الثروة لا تُعامل كسيادة خاصة مطلقة، بل هي أمانة، يقول القرآن الكريم: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
يتحدى هذا فكرة أن الملكية تمنح الفرد سلطة أخلاقية مطلقة على الثروة. قد تكون الثروة مملوكة ملكية خاصة، لكنها ليست منفصلة أخلاقياً عن المجتمع. يُزعم أن الرأسمالية هي النظام الأمثل لقدرتها على إيجاد الثروة، مع أن أنظمة أخرى قادرة أيضاً على ذلك. لقد أوجد نظام الخلافة عصراً ذهبياً من الرخاء والصحة لقرون، والصين، الاقتصاد الأسرع نمواً، هو اقتصاد موجه من الدولة.
علاوة على ذلك، فإن الفهم الإسلامي الحقيقي للمشكلة الاقتصادية للبشرية لا يكمن في تعظيم إجمالي الثروة، بل في إيصال الثروة الحقيقية إلى جميع الناس. ينص القرآن الكريم على أن الثروة لا ينبغي أن تدور بين الأغنياء فقط: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ﴾.
ويؤكد نظام الحياة في الإسلام، تحت قيادة الخليفة، على هذا الأمر باعتباره واجبا أساسيا.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. عبد الله روبين



