- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
تفاؤُل في عصر التشاؤم السّياسي!
(مترجم)
الخبر:
شهدت جامعة غادجاه مادا، إحدى أعرق الجامعات الإندونيسية، حادثة متوترة يوم الاثنين 15 حزيران/يونيو 2026، حيث اقتحمت مجموعة من الطلاب منتدى نقاش عام وقاموا بفضّه بالقوة. وكان من بين الحضور عدد من كبار مسؤولي مجلس الوزراء الأحمر والأبيض، بمن فيهم بوديمان سودجاتميكو رئيس وكالة تسريع تخفيف حدة الفقر، ونصرون وحيد وزير الشؤون الزراعية والتخطيط المكاني/رئيس الوكالة الوطنية للأراضي، وسوداريونو نائب وزير الزراعة.
لم تكن هذه الحادثة معزولة، بل هي استمرار مباشر وتصعيد لموجة من الاحتجاجات الطلابية التي تحمل شعار "نحو إندونيسيا مفلسة". وقد غذّت هذه الحركة تراكم شكاوى الطلاب بشأن سلسلة من السياسات الاقتصادية الحكومية، وبلغت ذروتها في حشود جماهيرية منذ 12 حزيران/يونيو 2026.
التعليق:
لا يُعدّ هذا التوتر مفاجئاً. فقد كان تراجع ثقة الشباب بالحكومة والنظام السياسي في إندونيسيا واضحاً بالفعل في استطلاع أجراه معهد يوسف إسحاق ISEAS مطلع عام 2025. وكشفت الدراسة، التي حملت عنوان "الشباب والمشاركة المدنية في جنوب شرق آسيا: دراسة استقصائية لطلاب الجامعات في ست دول"، أنّ غالبية من المشاركين الإندونيسيين، نحو 53.9% ينظرون إلى الوضع السياسي في بلادهم بنظرة متشائمة، إذ يرونه معيباً للغاية.
وبينما تتصدر إندونيسيا قائمة الدول الأكثر تشاؤماً سياسياً، فإنها ليست الوحيدة في منطقة الآسيان. إذ تليها مباشرة تايلاند، حيث ينظر 47.3% من الشباب فيها إلى سياسات بلادهم نظرة سلبية، ثم الفلبين بنسبة 41.9%.
تشير التقديرات إلى أنّ تراجع ثقة الشباب بالنظام في إندونيسيا كان واضحاً في استطلاع أجراه معهد يوسف إسحاق ISEAS مطلع عام 2025. ينبعُ هذا التشاؤم الواسع من كون الجماهير تعيش في عصرٍ بائس، يتّسم بوجودٍ خانقٍ مليءٍ بالمعاناة والظلم والفوضى نتيجةً للخلل المنهجي في القيادة السياسية. وقد فاقم صعود الأنظمة الفاسدة والمخادعة في مختلف البلاد الإسلامية، بما فيها إندونيسيا، الوضع، ما أدى إلى تحطيم معنويات جيل الشباب وتقويض تفاؤلهم بالمستقبل.
علاوةً على ذلك، يُعدّ التشاؤم نتيجةً حتميةً لحياةٍ علمانيةٍ تُهمّش العقيدة الإسلامية. فالأمة الإسلامية، التي تُشبه طبقات الظلام التي تُشكّل متاهةً لا نهاية لها، في أمسّ الحاجة إلى هداية الإسلام لتسترشد بها نحو مستقبلها الحقيقي، في الدنيا والآخرة. كما يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ﴾.
ولذلك، فإن تقديم رؤية إسلامية للتغيير أمرٌ بالغ الأهمية قبل أن تستسلم الحركات الشبابية للإحباط والفوضى. توفر الرؤية الإسلامية نموذجاً مثالياً للتغيير المتجذر في الإيمان والبصيرة، أي التمييز العميق بين الحقّ والباطل. يُمكّنُ هذا النهج الشباب من استشراف الصورة الحقيقية للقيادة السياسية في الإسلام: كيف تُمارس السلطة بالعدل والقوة دون إساءة استخدامها، وكيف تُدار ثروة المجتمع وتُوزع بشكل عادل، بعيداً عن الرّبا والمضاربة الاحتكارية.
ينبثق هذا النهج من فهم عميق لكيفية تقديم النظام الإسلامي حلولاً شاملة، عند مقارنته بالنظام الرأسمالي العلماني، يتضحُ التفوق المفاهيمي للإسلام، ما يسمح للأمة الإسلامية بإدراك الفروق الجوهرية من خلال منظور الفطرة الإنسانية. يمكن البدء في تنمية هذا النهج من خلال إدخال المفاهيم الإسلامية في الخطاب العام بأساليب تُشعل خيال الشباب، لتكون بمثابة حافز للتغيير الحقيقي داخل المجتمع.
وبطبيعة الحال، لا يمكن إيصال هذه الرؤية للتغيير إلا بشكل منهجي من خلال الدعوة الإسلامية، التي تهدف إلى إعادة الحكم الإسلامي في ظلّ مؤسسة عالمية، هي الخلافة، المجهزة ببنية فكرية متكاملة وأطر سياسية واقتصادية.
لذا، يُعدّ تعليم جيل الشباب المسلم من خلال مناهج إبداعية تتناغم مع واقعهم أمراً بالغ الأهمية. وهذا يضمن عدم اختطاف عقولهم من هروب ديني غير سياسي، أو حركات فوضوية نابعة من الإحباط فحسب.
إنّ الرؤية الإسلامية تُنشئ جيلاً من الشباب المسلم الصامد، الذي يظلّ ثابتاً في وجه الغموض. مسترشدين بنور الإيمان، يجدون الوضوح في الطريق أمامهم، ويتمسكون بالذي هو مصدر اليقين المطلق. وبفضل هذا اليقين، ينمّون الشجاعة الإبداعية، والتفاؤل الراسخ، والتمييز النقدي، والمشاركة الفعّالة في قضايا أمة النبي محمد ﷺ. هذا الجيل لا ينظر إلى المستقبل بالخوف أو اليأس، بل بالثقة والعزيمة والأمل، كما يقول الله تعالى: ﴿الَّذِيْنَ يُؤْمِنُوْنَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيْمُوْنَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُوْنَ﴾.
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د . فيكا قمارة
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير



