الثلاثاء، 28 رمضان 1447هـ| 2026/03/17م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

النظام الاقتصادي الإسلامي في دولة الخلافة

هو الذي سيوفر للإنسان حياة اقتصادية آمنة خالية من الأزمات

 

فقر، بطالة، غنى فاحش لفئة قليلة العدد، هبوط في قيمة العملات المحلية، رفع الدعم عن السلع الأساسية، انحدار في مستوى المعيشة، زيادة غير مسبوقة في الأسعار،... هذا هو الواقع المزري للاقتصاد في بلادنا الإسلامية. أما الحلول التي يتم طرحها دائما للخروج من الأزمات فهي قروض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لندخل في مشكلات أكثر تعقيدا، ديون متراكمة وربا مضاعف، زيادة في الضرائب وتتابع في الأزمات ما يؤدي إلى رهن مقدرات وثروات البلاد بإرادة الدول الاستعمارية وأطماعها وذلك لأن كل الحلول تمكن فقط الأغنياء من حيازة السلع بينما يجوع الضعيف والفقير الذي لا يملك الثمن. حلول عقيمة لا تخرج من داخل الدائرة الاقتصادية الرأسمالية التي نحن ندور فيها، وهي مأخوذة من النظام نفسه الذي أوجد هذه الأزمات وتسبب فيها، ألا وهو النظام الرأسمالي الذي هو أس البلاء، نظام فاسد بآلياته وقوانينه وعالم يعاني من ويلاته ويتطلع للخلاص من كوارثه. حتى مفكرو الغرب أنفسهم وكبار رأسمالييهم يشككون في نجاعة الحلول المطروحة، ويقولون إن هذه الحلول إن نجحت، فستساهم في تأجيل الانهيار فحسب، أما أن تحل المشاكل حلاً جذرياً فهذا ما لن تنجح فيه.

 

إن الاقتصاد في العالم بحاجة إلى هيكلة جديدة والخروج من تحت وطأة الرأسمالية، فليس للعالم خلاص من ويلات النظام المالي الرأسمالي العقيم إلا من خلال نظام اقتصادي ومالي مبني على عقيدة الإسلام، ولقد تم تطبيق الإسلام لأكثر من ألف عام، وطوال هذه الفترة بنى اقتصاداً مرناً وديناميكياً مدعوماً حقاً بالنشاط الاقتصادي المحلي القوي. كما قاد الاقتصاد الإسلامي العالم وهو سبب أساسي للازدهار المتزايد للغرب قبل أن يتحولوا إلى الاستعمار، حيث اعتمدت الدول الغربية على التجارة مع البلاد الإسلامية. إن طريق الخلاص هو من خلال تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي فهو النظام الوحيد الذي يمكنه حل الأزمات الحالية والأزمات القادمة، بما يتوافق مع الفطرة البشرية والعدالة، ومع ذلك، لا يمكن أن يوجد هذا النظام الاقتصادي داخل أنظمة بشرية باطلة لأن قوانينها العامة ستؤثر عليه بشكل أو بآخر. فلو أن حاكماً أراد تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي وحده، فلن تتحقق النتائج المرجوّة من ذلك، والسبب أنه جزء لا يتجزأ من الإسلام، ولا بد أن ينبثق عن الأساس الذي تنبثق عنه جميع أنظمة الحياة، فالإسلام عقيدة ينبثق عنها نظام الحياة، ولا يؤتي أكُلَه إلا بتطبيقه كاملاً كما فعل رسول الله ﷺ وصحابته من بعده وتابعوهم بإحسان.

 

فالإسلام كلٌّ لا يتجزّأ، وأخْذُ بعضِه وتركُ باقيه إنما هو كفر، مهما قلّ قدرُ المتروك منه، وهذا ما نطق به القرآن الكريم، في قول الله تعالى مخاطباً بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فلا يصلح تطبيق بعض الإسلام وترك بعضه. وبما أن النظام الاقتصادي الإسلامي جزء من نظام الخلافة، فإن تطبيقه في الحياة سيكون بعد إقامتها، فالنظام الإسلامي كل والنظام الاقتصادي جزء من كل، ومن الصعب جداً تطبيق النظام الاقتصادي فقط دون تطبيق الإسلام بشكل شامل، كما أنه يصعب تفصيل سياسة الإسلام الاقتصادية في مقالة ذات أسطر معدودة ولكننا سنجمل الخطوط العريضة لهذه السياسة وهي كافية بإذن الله لبيان الحقيقة القائلة إن النظام الاقتصادي الإسلامي هو وحده القادر على أن يوفر للناس حياة اقتصادية سليمة هانئة خالية من الأزمات، وإليكم البيان:

 

أولا: سياسة الاقتصاد في الإسلام:

 

سياسة الاقتصاد هي الهدف الذي ترمى إليه الأحكام التي تعالج تدبير أمور الإنسان. وسياسة الاقتصاد في الإسلام هي ضمان تحقيق الإشباع لجميع الحاجات الأساسية لكل فرد من أفراد رعية الدولة الإسلامية، من مأكل وملبس ومسكن إشباعا كليا، وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع، باعتباره يعيش في مجتمع معين، له طراز خاص من العيش، وذلك، بفرض العمل على الرجل القادر، حتى يوفر الحاجات الأساسية له ولمن تجب عليه نفقتهم ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ وبفرضها على المولود له، وعلى الوارث إن لم يكن قادرا على العمل ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وبفرضها على بيت المال إن لم يوجد من تجب عليهم نفقته، قال ﷺ: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا».

 

ثانيا: القواعد الاقتصادية العامة:

 

ومن استقراء الأحكام الشرعية المتعلقة بالاقتصاد يتبين أن الإسلام إنما يعالج موضوع تمكين الناس من الانتفاع بالثروة. وأن هذه هي المشكلة الاقتصادية للمجتمع في نظره. وهو حين يبحث الاقتصاد إنما يبحث في حيازة الثروة، وفي تصرف الناس بها، وفي توزيعها بينهم. وعلى هذا فإن الأحكام المتعلقة بالاقتصاد مبنية على ثلاث قواعد هي:

 

1. المِلكية

2. التصرف في المِلكية

3. توزيع الثروة بين الناس

 

أما المِلكية من حيث هي مِلكية فهي لله باعتباره مالك الملك من جهة، وباعتباره قد نص على أن المال له، قال تعالى: ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾. فالمال لله وحده، إلا أن الله سبحانه وتعالى استخلف بني الإنسان على المال، وأمدهم به، فجعل لهم حق ملكيته، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. غير أن حق المِلكية هذا الذي جاء بالاستخلاف جاء عاما لبني الإنسان بجميع أفرادهم، فلهم به حق المِلكية، لا المِلكية الفعلية، فهم مستخلفون في حق التملك. وقد بين الشرع أن هناك ثلاثة أنواع من المِلكية:

 

أ- مِلكية فردية: لكل فرد أن يمتلك المال بسبب من أسباب التملك المشروعة

 

ب- مِلكية عامة: وهي للأمة كلها، قال النبي : «المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلأ وَالنَّارِ»

 

ت‌- مِلكية الدولة: كل من مات من المسلمين ولا وارث له فماله لبيت المال، وما يُجبى من خَراج وجزية وغير ذلك إنما هو لبيت المال.

 

2. أما التصرف في المِلكية فبيانه كالآتي:

 

أ- التصرف بمِلكية الفرد: واضح في أحكام المعاملات من بيع أو رهن أو غير ذلك.

 

ب- التصرف بمِلكية الدولة: واضح في أحكام بيت المال.

 

ت- التصرف بالمِلكية العامة: جُعل للدولة، لأنها نائبة عن الأمة، ولكن الشارع منعها من التصرف بالمِلكية العامة بالمبادلة أو الصلة. وأجاز لها التصرف بها في غير ذلك بحسب الأحكام، التي بينها الشرع.

 

3. وأما توزيع الثروة بين الناس فإنه يجري في أسباب التملك، وفي العقود طبيعيا. غير أن تفاوت الناس في القوى، وفي الحاجة إلى الإشباع، يؤدي إلى تفاوت التوزيع للثروة بين الناس. ويجعل احتمال الإساءة في هذا التوزيع موجودا، فيترتب على هذه الإساءة في التوزيع تجمع المال بين يدي فئة، وانحساره عن فئة أخرى، كما يترتب عليها كنز أداة التبادل الثابتة، وهي الذهب والفضة. ولذلك جاء الشرع يمنع تداول الثروة بين الأغنياء فقط، ويوجب تداولها بين جميع الناس، وجاء يمنع كنز الذهب والفضة، ولو أخرجت زكاتهما.

 

ثالثا: نظرة الإسلام إلى المال

 

إن المال هو عادة لأغراض ثلاثة: الادّخار، والإنفاق، والتداول؛

 

ففي حالة الادخار يمكن للمرء أن يدّخر لأي مسألة يحتاج تنفيذها إلى تجميع بعض المال، وهذا لا شيء فيه إذا أُدّيت زكاته بعد حلول الحول وبلوغ نصاب الزكاة، أما الادّخار لأجل الادّخار وكنز المال وتكديسه، فهو محرّم بنص القرآن الكريم، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

 

وأما الإنفاق فقد حدد الإسلام أحكامه، فأجاز وجوهاً كالصدقة...، وأوجب أخرى مثل إخراج الزكاة...، وحرّم وجوها كالإنفاق في الخمر والقمار...

 

وأما التداول فقد نظّمه الإسلام من وجهين:

 

أ- وضع معيارا ثابتا تقدر به الأجور والأثمان وهو ما يسمى "النقد" وحصره بالذهب والفضة لا غير.

 

ب- بيّن المعاملات الشرعية الصحيحة كأحكام الشركات في الإسلام "العنان والأبدان والمضاربة والوجوه والمفاوضة.." وأحكام الإجارة والتجارة والمزارعة والمساقاة والبيع والصرف والوكالة. وحرّم المصانع التي تصنع المادة المحرمة، وحرّم معاملات مثل الشركات الباطلة التي لا تستوفي شروط انعقادها وشروط صحتها مثل الشركات المساهمة، شركات الضمان، التأمين وشركات الرهن الربوية، وكذلك حرّم الغش والاحتكار.

 

رابعا: نظرة الإسلام إلى النقد:

 

لقد عيّن الرسول ﷺ الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس الأموال والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة، قال ﷺ: «الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ» ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، ومقارنتها بأوزان اليوم، فإن الدينار يساوي ٤.٢٥ غراماً ذهبا، والدرهم ٢.٩٧٥ غراماً فضة.

 

خامسا: تحريم الربا

 

حرمت النصوص الشرعية الربا تحريما شديدا، وهي قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وجعل من يتعامل بالربا محاربا لله ورسوله، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقد بلغ من شدة تحريمه أن الرسول ﷺ قد لعن الربا والمتعاملين به، واللعن هو الطرد من الرحمة. على أن الإسلام قد شجع الإقراض بين المسلمين وحث عليه، فقال الرسول ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً». وهذا ليس على الصعيد الفردي فإن من وظيفة الدوائر الاقتصادية في دولة الخلافة أن توفر القروض للمزارعين وأصحاب المشاريع في إطار نظرة الدولة للتنمية الاقتصادية وسياستها في القضاء على الفقر بإيجاد أسواق العمل وتوفير السلع، ولكن تلك القروض لا علاقة لها بالربا، وليس من أهدافها الأرباح، فدولة الخلافة دولة رعاية لا دولة جباية.

 

سادسا: رقابة النظام الاقتصادي في الإسلام

 

وهي أجهزة رقابية تضمن عدالة النظام الاقتصادي على الوجه المبين في الشرع، ويمكن تلخيصها بالأدوات الرقابية التالية:

 

1.  ولاية الحِسبة: حيث يقوم المحتسب بالرقابة على الأسواق والموازين والمكاييل والغش في الأسواق والأماكن العامة ويراقب باقي المخالفات أيضا.

 

2.  ولاية القضاء: حيث يقوم القضاة بفض المنازعات جميعها بما في ذلك المالية والاقتصادية التي قد ترافق المعاملات اليومية للناس.

 

3.  الدواوين: وهي أدوات رقابة وضبط لحركة المال في بيت المال، مما يتعلق بمال الزكاة، ومال الدولة، والمال التابع للملكية العامة، وهي تتولى الرقابة على الجباية والإنفاق بحيث تكون كل حركة للمال في مكانها الصحيح.

 

4.  ولاية المظالم: وهي تتولى الشكاوى التي ترفع ضد أولي الأمر إذا ظلموا الرعية في كل التصرفات وكل الجوانب، ومنها التصرفات المالية والاقتصادية.

 

هذه خطوط عريضة للسياسة الاقتصادية في الإسلام ولمن يريد الاستزادة بالتفاصيل نقدم له كتاب "النظام الاقتصادي في الإسلام"، كتاب يُعدّ ثروة فكرية إسلامية نفيسة، قل نظيره. فهو الكتاب الأول الذي بلور واقع نظام الاقتصاد في الإسلام، في هذا العصر، بلورة واضحة جليّة. وقد كان مصدره الوحيد في أخذ الأحكام الشرعية المتعلقة بالاقتصاد هو كتاب الله وسنة رسوله وما أرشدا إليه من قياس وإجماع صحابة، ولم يتخذ مصدراً آخر لأخذ الأحكام الاقتصادية، هذه الأحكام التي تكفل الحياة الكريمة للناس كافة، المسلم وغير المسلم، ما داموا يعيشون في ظل دولة الخلافة، التي تحفظ أمنهم وعيشهم، والتي توفر لهم حياة اقتصادية آمنة خالية من الأزمات.

 

وفي الختام نسأل الله أن يمكّن المسلمين أن يضعوا أحكام الإسلام عامة موضع التطبيق والتنفيذ في دولة تحكم فيهم بما أنزل الل

 

رابط الكتاب على موقع المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:

 

https://www.hizbut-tahrir.info/ar/index.php/resources/hizb-resources/48.html

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير 

رنا مصطفى

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير                    #TrueVision4Change

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع