- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الصراع بين أمريكا وإيران
تهديد ووعيد لتحقيق نصرٍ موهوم أو هزيمة منكرة
ماذا يجري بين طهران وواشنطن؟ وما هي نتائج هذه المباحثات؟ وإلى أين ستؤدي؟
إن واشنطن تدرك أن القوة العسكرية التي تملكها لن تستطيع حسم المعركة مع إيران؛ فقد استخدمت كل ما تملك من قوة وسلاح، وضربت إيران ضرباً استهدف إخضاعها، وكانت النتيجة أن إيران لم تستسلم، وأن أمريكا لا تزال تلهث وراء الجلوس على طاولة التفاوض، وتستخدم حلفاءها للضغط على طهران.
يعود سبب ذلك إلى إدراك أمريكا أن سلاح الجو والصواريخ - رغم ما يحدثه من دمار - لا يمكنه إخضاع بلد بمساحة إيران، وجغرافيتها المعقدة، وتعداد سكانها، وعديد جيشها المنتشر على رقعتها الواسعة دون معسكرات ظاهرة، وما ظهر منها ليس سوى هياكل مفرغة، أما قواتها وأسلحتها فتقبع في أعماق الجبال والملاجئ المحصنة والمخفية عن عيون الأعداء. إن حرب الاستنزاف الطويلة النفس التي وضعتها إيران كخطة دائمة، تشغل فيها أمريكا وتمنعها من الهجوم البري عليها؛ وهو الحل الأخير الذي تملكه أمريكا والممنوع عليها استخدامه من القوى السياسية والعسكرية والدولة العميقة، لما له من نتائج مدمرة عليها وقد تخلى عنها حلفاؤها في هذه المعمعة.
وهنا يبرز إصرار أمريكا على استخدام القوة والتهديد والوعيد للضغط على إيران لدفعها إلى طاولة التفاوض. إن التهديد والوعيد ليس دليلاً على القوة والقدرة على التنفيذ، وإنما هو دليل ضعف لا شك فيه، وخاصة في حالة إيران وأمريكا؛ فأمريكا دولة عظمى وهي الأولى في العالم، وحينما تنزل من عرشها لتنافس وتصارع دولة تصنفها هي من دول العالم الثالث، فإن ذلك يعكس مأزقها، لكن الدول حينما تجد قيادات مخلصة لبلادها وشعوبها، تنجز في مسيرتها السياسية ما قد تعجز عنه دول عظمى.
إن إصرار أمريكا على دفع الإيرانيين للجلوس إلى مائدة التفاوض والخضوع للإملاءات الأمريكية - دون القدرة على إنجاز حسم في ميدان الصراع العسكري، مع التهديد والوعيد بالقوة الساحقة والماحقة وفتح أبواب جهنم - هو دليل على فشل الدبلوماسية الأمريكية في إجبار الإيرانيين على التنازل والقبول بالشروط. إن أمريكا ليس لها من سبيل، وليس أمامها من خيار - بعدما استخدمت أقصى ما تملك من غير السلاح النووي المحظور استخدامه - سوى التفاوض، بل إن القيود والحواجز التي وضعت في وجه الرئيس الأمريكي تجعل مساحة حركته أضيق وقدرته على المناورة أصعب؛ فالحل البري الأخير يخضع لرقابة صارمة من القيادات العسكرية والسياسية والدولة العميقة، لما له من نتائج كارثية ومدمرة على مكانة أمريكا وهيبتها المتدنية، والتي استشعرتها الدول المنافسة لها على المسرح الدولي فتخلت عن مساعدتها ومؤازرتها.
فلماذا تصر أمريكا وبقوة على إبرام اتفاق مع إيران تحت تهديد وقعقعة السلاح والتلويح باستخدام القوة الماحقة؟ هذا يدل على المأزق الأمريكي الذي يبصره أي سياسي واعٍ مدرك لمجريات الأحداث ونتائجها الماثلة أمام العيون؛ فأمريكا تريد حلاً يعيد لها ماء وجهها المهدور، ويحقق لها ما تعود به إلى شعبها والعالم لتعلن: "إننا انتصرنا وحققنا اتفاقاً تاريخياً، ولولا قوتنا وعظمتنا ما تحقق ذلك"، ولكن هيهات هيهات، فما ذهب لن يعود وما فُقِد لن يوجد.
إن ترامب حينما نزل ليصارع دولة من العالم الثالث - والفارق الزمني والتقني بينهما يمتد لعقود طويلة - إنما أسقط أمريكا من مكانتها كدولة عظمى أولى عالمياً تهابها الدول وتحسب لها ألف حساب، وهو بذلك كشف عوارها وضعفها في مناحٍ شتى. إن أمريكا المديونة بأربعين تريليون دولار والعاجزة عن سداده - وهي مديونية ترتفع بمعدل تريليوني دولار سنوياً - وتتكبد كلفة عسكرية لانتشار قواتها في منطقة الشرق الأوسط في وضعية الاستنفار الدائم دون استخدام فعلي للقوة لحسم الصراع، هو ما لا تحتمله ميزانيتها طويلاً، وهو الدافع الحقيقي للضغط والاستعجال لتوقيع اتفاق يخرجها من مأزقها هذا، ويخرج العالم من أزمة وضعتها أمريكا فيه، ما يدفع القوى العالمية للبحث عن حلول خارج الصندوق الأمريكي.
إن أمريكا تسعى لدفع إيران تحت التهديد باستخدام القوة لعل القيادة السياسية الإيرانية يصيبها الوهن والخوف فتقبل بشروطها، حتى تخرج بنتائج يقدمها ترامب كهدية لحزبه بأنه حقق ما لم يحققه الأوائل، وهنا مربط الفرس؛ فإذا استطاعت إيران العض على أصابع الصبر، وكانت قيادتها السياسية متماسكة والجبهة الداخلية ملتفة حولها، فإن أمريكا ستخرج منهزمة وتعود إلى جحرها خلف المحيطات. أما إن وافقت إيران على الجلوس إلى مائدة أمريكا والقبول بشروطها المعدلة - وهو الحل لخروج أمريكا تزهو بنصر موهوم - فإن الاتفاق سيكون بمثابة تثبيت لوقف إطلاق النار، وصياغة معادلة تحافظ فيها أمريكا على مصالحها لتبقى لها اليد الطولى في إدارة منطقة الشرق الأوسط.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
سالم أبو سبيتان



