الأربعاء، 09 محرّم 1448هـ| 2026/06/24م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

رجلٌ واحد غيَّر مصير أمة!

 

 

ليست الأمم العظيمة تلك التي تمتلك السلاح والمال فحسب، وإنما التي تُحسن صناعة الإنسان. وحين نقرأ صفحات السيرة النبوية نجد أن أعظم التحولات لم تبدأ بجيش جرار، ولا بقصور شامخات، بل بدأت بقلب مؤمن حمل نور الوحي وسار به بين الناس. ومن أعظم الشواهد على ذلك قصة الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، ذلك الشاب الذي ترك الترف والثراء خلفه، وخرج من مكة لا يحمل ذهباً ولا سلطاناً، وإنما يحمل قرآناً يتلوه، وإيماناً يملأ قلبه، ويقيناً بأن الله ناصر دينه ولو بعد حين.

 

كانت يثرب يومذاك مدينةً تموج بالصراعات القبلية، أنهكتها الحروب وأتعبتها العصبيات، وتوزعت ولاءاتها بين الأوس والخزرج، حتى كأنها أرض يصعب أن تجتمع على كلمة واحدة. لكن النبي محمداً ﷺ رأى فيها مستقبل الدعوة، فأرسل إليها مصعب بن عمير سفيراً ومعلماً وداعيةً.

 

دخل مصعب المدينة بهدوء، فلم يرفع صوته في الأسواق، ولم يفرض رأيه على أحد، ولم يدخل معارك الجدل العقيم، بل جلس إلى الناس يقرأ عليهم القرآن، وكان يعلم أن القلوب التي أرهقتها الدنيا لا يداويها إلا كلام السماء، وأن النفوس التي أظلمتها الجاهلية لا يضيئها إلا نور الوحي.

 

وكان من أعظم مواقف دعوته ما جرى مع سادة القوم. جاء أسيد بن حضير غاضباً يريد طرده، ثم جاء سعد بن معاذ يحمل الموقف نفسه. لكن مصعباً رضي الله عنه لم يقابل الغضب بالغضب، ولا الشدة بالشدة، وإنما قال كلمته الخالدة: "أوَلا تجلس فتسمع؟". إنها ثقة الداعية بربه ورسالته، ويقينه أن الحق إذا وصل إلى القلب السليم استقر فيه.

 

جلس القوم ليستمعوا، فإذا بالقرآن يهدم في لحظات ما بنته سنوات من العادات والتقاليد الجاهلية. وما فرغ مصعب من تلاوته حتى تبدلت النفوس، ولانت القلوب، فأسلم أسيد بن حضير، وأسلم بعده سعد بن معاذ، ذلك الرجل الذي كان إسلامه فتحاً للمدينة كلها. ولم يكن السر في شخصية أسيد وسعد وحدهما، بل في المنهج الذي سلكه مصعب رضي الله عنه؛ فقد أدرك أن تغيير المجتمعات يبدأ بتغيير القلوب، وأن الكلمة الصادقة أقوى من السيف إذا خرجت من قلب صادق.

 

لذلك لم يفتح المدينة بالقوة، وإنما فتحها بالقرآن، ولم ينتصر على الناس، بل انتصر لهم، فنقلهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان. وهكذا مضت الأيام، فإذا بيوت المدينة التي كانت بالأمس تتنازعها العصبيات تمتلئ بذكر الله، وإذا بالقبائل التي أنهكتها الحروب تجتمع على عقيدة واحدة، حتى أصبح المجتمع مهيأً لاستقبال رسول الله ﷺ مهاجراً إليه.

 

لقد صنع مصعب بن عمير أعظم تحول في تاريخ المدينة؛ لأنه فهم أن الدعوة ليست بكثرة الأتباع، ولا بضجيج الشعارات، وإنما بصدق مع الله، وحكمة في مخاطبة الناس، وصبر على الطريق، وثقة بأن القرآن قادر على أن يغير الإنسان، ومن ثم يغير التاريخ.

 

وما أحوج أمتنا اليوم إلى أن تستعيد هذا الدرس العظيم؛ فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من القصور، بل من القلوب، ولا يصنعه الصراخ، بل تصنعه الكلمة المؤمنة التي تخرج من قلب مخلص، فتبلغ القلوب بإذن الله.

 

لقد رحل مصعب شهيداً يوم أُحد، لكنه ترك للأمة درساً خالداً: أن رجلاً واحداً إذا صدق مع الله قد يكون سبباً في هداية مدينة كاملة، وأن الداعية الذي يحمل القرآن بإخلاص يستطيع أن يصنع من التحولات ما تعجز عنه الجيوش والأموال.

 

وهكذا يبقى اسم مصعب بن عمير شاهداً على أن أعظم الانتصارات تبدأ بكلمة، وأعظم الفتوح تبدأ بقلب مؤمن، وأن نور الإيمان إذا سكن النفوس صنع من المستضعفين قادةً، ومن المدن المتفرقة أمةً تحمل رسالة السماء إلى العالمين.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع