- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
غينيا بيساو: هل يكتب الجيش دستوراً جديداً للسلطة؟
في غينيا بيساو، لا يبدو ما يجري اليوم مجرد فصل جديد في مسلسل الانقلابات العسكرية الذي أنهك هذا البلد الصغير في غرب أفريقيا، بل محاولة لإعادة بناء النظام السياسي نفسه. فبينما تستعد البلاد للاستفتاء على دستور جديد في 30 آب/أغسطس 2026، تبدو المسألة أكبر من مجرد تعديل مواد دستورية؛ إنها معركة على شكل الدولة، وموقع الرئيس، ودور البرلمان، وحدود نفوذ الجيش في السياسة.
استقلت غينيا بيساو عن البرتغال عام 1974، بعد حرب طويلة قادها الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر. لكن الاستقلال لم يضع حداً للتدخل العسكري في السياسة. ففي عام 1980، أطاح انقلاب عسكري بالرئيس لويس كابرال، ووصل جواو برناردو فييرا، المعروف بـ"نينو"، إلى السلطة، ليبدأ عهداً طويلاً اتسم بتركيز السلطة في الرئاسة وتداخل الجيش مع الحياة السياسية.
ومع بداية التعددية السياسية، لم تستقر البلاد. ففي عام 1998، اندلعت حرب أهلية بعد محاولة انقلاب، وانتهت عام 1999 بإطاحة فييرا. ثم جاء انقلاب جديد عام 2003 أطاح بالرئيس كومبا يالا، وفي عام 2009 اغتيل فييرا، بينما شهد عام 2012 انقلاباً عسكرياً آخر قطع الطريق على العملية الانتخابية. كما شهدت البلاد محاولات انقلاب وأزمات سياسية متكررة خلال السنوات التالية.
ولهذا جاءت صياغة دستور عام 1993 محاولة للحد من تركيز السلطة في يد الرئيس، من خلال نظام شبه رئاسي يقوم على تقاسم السلطة بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء والبرلمان. وكان الهدف هو منع عودة نموذج الحكم شديد المركزية الذي عرفته البلاد في عهد فييرا.
لكن المشكلة لم تكن في النصوص وحدها؛ فقد ظل الجيش لاعباً سياسياً أساسياً، بينما بقيت المؤسسات المدنية ضعيفة، واستمر الصراع على الصلاحيات بين الرئاسة والحكومة والبرلمان.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، عاد الجيش إلى الواجهة من جديد، فأطاح بالرئيس عمر سيسوكو إمبالو، بينما كانت عملية فرز أصوات الانتخابات الرئاسية جارية، وأوقف المسار الانتخابي، لتدخل البلاد مرحلة انتقالية بقيادة الجنرال هورتا إنتا-نا مان. وتقول مصادر بحثية إن انقلاب عام 2025 كان خامس انقلاب ناجح منذ عام 1980.
لكن الجديد هذه المرة أن الجيش لا يكتفي بإدارة المرحلة الانتقالية، بل يبدو أنه يريد إعادة تعريف قواعد الحكم التي ستأتي بعدها.
الدستور المطروح للاستفتاء يمثل تحولاً مهماً في بنية الدولة. فهو يمنح رئيس الدولة سلطات أكبر على الحكومة، بما في ذلك تعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وإقالتهم، وترؤس مجلس الوزراء، وإنشاء الوزارات أو إلغاؤها. كما يخفض عدد مقاعد البرلمان من 102 إلى 65، ويقلص عدد الدوائر الانتخابية من 29 إلى 12.
وبذلك تتجه غينيا بيساو من نموذج شبه رئاسي يقوم على تقاسم السلطة إلى نموذج رئاسي أكثر تركيزاً للسلطة التنفيذية.
وهنا تكمن المسألة الأكثر حساسية: هل يريد الجيش إنشاء نظام أكثر استقراراً، أم نظام أكثر قابلية للسيطرة؟
أنصار التغيير يستطيعون القول إن ازدواجية السلطة بين الرئيس ورئيس الوزراء كانت أحد أسباب الأزمات المتكررة، وإن منح الرئيس صلاحيات أوضح قد ينهي حالة الصراع المؤسسي. لكن خصوم المشروع يرون أن تقليص دور البرلمان ورئيس الوزراء، وإعادة تركيز السلطة في مؤسسة الرئاسة، قد يعيد إنتاج المشكلة التي حاول دستور 1993 علاجها أصلاً.
قد يبدو النظام الجديد قريباً من الفكرة العامة للنظام الرئاسي الأمريكي من حيث قوة الرئيس واستقلال موقعه عن رئيس الوزراء، لكنه ليس نسخة من النظام الأمريكي. أما مشروع غينيا بيساو، فيبدو أقرب إلى نظام رئاسي شديد المركزية، مع بقاء البرلمان والحكومة، ولكن مع تفوق واضح لمؤسسة الرئاسة.
الدستور الجديد يجري طرحه في ظل سلطة انتقالية جاءت إلى الحكم بانقلاب عسكري، وليس عبر مؤسسة برلمانية منتخبة. وقد دعت المعارضة، وفي مقدمتها الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر، إلى مقاطعة الاستفتاء، معتبرة أن المؤسسات التي صاغت الدستور لا تتمتع بشرعية انتخابية.
والسؤال هنا: هل يقوم الجيش بتسليم السلطة، أم بإعادة صياغة قواعد السلطة قبل تسليمها؟
فإذا أُقر الدستور، ثم أجريت الانتخابات المقررة في كانون الأول/ديسمبر 2026، فقد تتمكن السلطة العسكرية من القول إنها أعادت البلاد إلى الحكم المدني. لكن خصومها سيقولون إن الجيش لم يكتفِ بإدارة الانتقال، بل أعاد تصميم النظام السياسي الذي سيحكم البلاد بعد خروجه. هذه هي الزاوية الأكثر أهمية في تجربة بيساو. فالانقلاب التقليدي يعني أن الجيش يستولي على السلطة ثم يحكم مباشرة.
أما النموذج الذي قد يتبلور في غينيا بيساو فهو أكثر تعقيداً: الجيش يستولي على السلطة، ثم يعلق المؤسسات القائمة، ويصوغ دستوراً جديداً، ويوسع صلاحيات الرئاسة، ثم يدعو إلى انتخابات على أساس القواعد الجديدة. أي أن الجيش لا يحتاج بالضرورة إلى البقاء في القصر الرئاسي كي يترك بصمته على النظام. وإذا نجحت هذه العملية، فقد نشهد انتقالاً من الحكم العسكري المباشر إلى حكم مدني منتخب ضمن نظام رئاسي أكثر مركزية. وهنا تصبح الانتخابات المقبلة هي الاختبار الحقيقي، لا الاستفتاء وحده.
غينيا بيساو ليست دولة جديدة على الانقلابات؛ إنها دولة عانت منذ الاستقلال من دورة متكررة من الانقلابات والصراعات السياسية والاغتيالات والتنافس بين الرئاسة والجيش والمؤسسات المدنية.
فالجيش لا يقول إنه يريد إلغاء الانتخابات، بل يتحدث عن تنظيمها. ولا يقول إنه يريد إلغاء المؤسسات المدنية، بل يعيد تشكيلها. ولا يتجه بالضرورة إلى إقامة حكم عسكري دائم، بل إلى وضع دستور يجعل مؤسسة الرئاسة أكثر قوة.
ولهذا فإن السؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع والأشهر المقبلة ليس فقط: هل ستعود غينيا بيساو إلى الحكم المدني؟ بل: أي حكم مدني سيعود؟
فإذا أُقر الدستور، وأجريت انتخابات حرة وتنافسية، وسلّم الجيش السلطة للرئيس المنتخب، فقد تكون بيساو بصدد تأسيس جمهورية رئاسية جديدة، أكثر وضوحاً في توزيع الصلاحيات، وأكثر قدرة - نظرياً - على تجاوز الصراع بين الرئيس ورئيس الوزراء. أما إذا تحولت الصلاحيات الجديدة إلى وسيلة لإقصاء المعارضة، وتقليص البرلمان، وإدامة نفوذ المؤسسة العسكرية من خلف الستار، فإن البلاد قد تكون أمام نسخة جديدة من المشكلة القديمة: تركيز السلطة في قمة الدولة، مع بقاء الجيش حكماً أخيراً عندما تفشل السياسة.
البلاد التي حاول دستورها عام 1993 أن يحد من تركيز السلطة في الرئاسة، قد تكون اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الانقلابات والأزمات، في طريقها إلى بناء رئاسة أقوى من جديد. والسؤال الذي يجعل غينيا بيساو اليوم واحدة من أهم التجارب السياسية التي تستحق المتابعة في غرب أفريقيا.
وهنا نشير إلى أن تحول بيساو إلى نظام عسكري طويل الأمد، أو إلى نظام سياسي شديد المركزية تحت نفوذ الجيش، قد يقربها أكثر من المسار الذي تشهده كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر. فقد ابتعدت الدول الثلاث كلياً عن التبعية الفرنسية؛ ففي مالي، جاء الانقلاب الثاني داخل السلطة عام 2021، وفي بوركينا فاسو وقع انقلاب عام 2022، حيث وصل النقيب إبراهيم تراوري إلى السلطة، بينما شهدت النيجر انقلاباً عام 2023 أطاح بالرئيس محمد بازوم، وجاء بالجنرال عبد الرحمن تياني. ولم تعد الدول الثلاث تقول فقط: "نحن نرفض إيكواس والغرب"، بل أصبحت تباشر بناء إطار إقليمي بديل خاص بها، وهو التطور الذي يجعل تجربة هذه الدول الثلاث مهمة بالنسبة إلى بيساو. وهذه الأنظمة العسكرية التي جاءت إلى السلطة كانت تحمل شعارات استعادة السيادة وتحقيق الأمن.
إن أهمية بيساو ليست في قوتها، بل في موقعها؛ فهي دولة صغيرة تقع عند تقاطع أربعة مسارات: الأطلسي، والساحل، وإيكواس، والصراع الدولي على النفوذ في أفريقيا.
إن جميع البلاد الإسلامية، وخاصة في أفريقيا، هي اليوم تحت مرمى الصراع الدولي، والدخول في مرحلة جديدة تختلف عما كانت تعيشه أفريقيا سابقاً. ولذلك نهيب بمسلمي هذه المنطقة وأفريقيا عامةً أن يتحركوا نحو إعادة حكم الإسلام، الذي كان يحكم بلادهم، وكانوا يعيشون في ظلّه بعز وأمان، ولن يعيد هذا العز وهذا الاستقرار إلا إعادة تحكيم الشريعة، والتزام المسلمين بقضاياهم المصيرية، وعلى رأسها إقامة دولة الخلافة التي بشرنا بها رسول الله ﷺ، وهي قاب قوسين أو أدنى.
فلتكن القارة السمراء مهد عودتها، أو الناصرة لقيامها. اللهم عجل لنا بها، لنعيد عز الإسلام، ونخرج من ظلم الرأسمالية ونهبها لخيرات بلادنا، والعبث ببلادنا وأبنائنا، ونعود كما قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



