الأحد، 28 ذو الحجة 1447هـ| 2026/06/14م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!

 

 

الخبر:

 

قالت مصادر من فصائل فلسطينية عدة، يجتمع ممثلوها في القاهرة، إن قضية حصر السلاح في غزة باتت في مقدمة بنود المقترح المقدم من الوسطاء بشأن وقف إطلاق النار الهش الذي أعلن في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، في القطاع؛ لكن كيان يهود يخترقه باستمرار، وقتل منذ ذلك الوقت أكثر من 950 فلسطينياً. (الشرق الأوسط، بتصرف).

 

التعليق:

 

يأتي هذا النبأ المقتضب المفعم بمرارة الواقع الميداني والسياسي ليكشف عورة مرحلة تاريخية بالغة التعقيد، تداخلت فيها المؤامرات الدولية مع التخاذل الإقليمي لتنتج مشهداً تفوح منه رائحة الخيانة والتبعية. إن الحديث عن حصر السلاح في قطاع غزة المكلوم، وجعله في مقدمة أولويات المفاوضات التي ترعاها العواصم الإقليمية، لا يمكن قراءته بأي حال من الأحوال كخطوة نحو السلام أو الاستقرار، بل هو فصل متقدم من فصول تصفية القضية الفلسطينية وتجريد الأمة من أوراق قوتها المتبقية. وتظهر المفارقة السياسية هنا في أبشع صورها؛ فالمفاوضات والاجتماعات لا تُعقد لمعاقبة المعتدِي الذي يخرق الاتفاقيات جهاراً نهاراً، ويسفك الدماء بدم بارد مخلفاً أكثر من تسعمائة وخمسين شهيداً منذ إعلان التهدئة الهشة، بل تُعقد للضغط على الضحية المحاصرة لإجبارها على التخلي عن وسيلتها الوحيدة في الدفاع عن النفس. هذه المعادلة المقلوبة تعكس بوضوح طبيعة الدور الذي يلعبه حكام المسلمين اليوم، والذين تحولوا من قادة لجيوش كان ينبغي أن تتحرك لنصرة المستضعفين، إلى مجرد وسطاء ووكلاء أمنيين ينفذون الإملاءات الاستعمارية الغربية بتفانٍ غريب، حيث يسخرون طاقاتهم الدبلوماسية والاستخباراتية لتقديم طوق النجاة لكيان يهود كلما شارف على مأزق عسكري أو سياسي.

 

وعلى الصعيد الاقتصادي، تبرز مفارقة لا تقل قبحاً عن شقيقتها السياسية؛ إذ بينما يُفرض على غزة حصار خانق يمنع عنها الغذاء والدواء والكساء، وتتحكم خطوط الإمداد وشروط الوسطاء في حبة القمح وقطرة الماء التي تدخل للقطاع، نرى عواصم الجوار والبلاد الإسلامية تفتح ممراتها البرية والبحرية والجوية لإنعاش اقتصاد كيان يهود، وتتدفق البضائع والسلع والنفط والغاز عبر الحدود لتأمين الجبهة الداخلية للمحتل وضمان استمرار آلته الحربية في العمل والقتل. إن هذه الرأسمالية المتوحشة والبراغماتية السياسية الصارمة التي ينتهجها الحكام العملاء تكشف أن أرواح المسلمين ودماءهم في غزة لا تمثل لهم أي قيمة، بل إن إعادة إعمار غزة المستقبلية باتت تُطرح كصفقة استثمارية واعدة للشركات الكبرى، تُربط شروطها بمدى انصياع أهل القطاع وقبولهم بتسليم السلاح، ما يثبت أن الاقتصاد والسياسة في عرف هؤلاء الحكام قد جُرّدا تماماً من أي بُعد أخلاقي أو ديني.

 

أما المأساة الحقيقية فتكمن في الجانب الشرعي، حيث يمثل طرح بند حصر السلاح إصراراً على الحنث العظيم بالمبادئ الإسلامية الثابتة التي توجب الجهاد لحماية الأرض والعرض والمقدسات. إن الشريعة الغراء جعلت تحرير بلاد المسلمين المحتلة فرض عين على كل قادر، وجعلت إعداد القوة واجباً شرعياً لا يسقط بالتقادم أو بالاتفاقيات الدولية، غير أن حكام المسلمين قد ارتكبوا ردة فكرية وعقائدية واضحة عبر تبنيهم للمفاهيم العلمانية والاستعمارية مثل الأمن الإقليمي والشرعية الدولية والحدود الوطنية، وهي مفاهيم صيغت خصيصاً لتفتيت الأمة ومنعها من التوحد في مواجهة أعدائها. إن قبول هؤلاء الحكام بفكرة نزع سلاح غزة أو حصره، في وقت تملك فيه جيوشهم ترسانات هائلة من الأسلحة الطائرة والبرية الرابضة في الثكنات لحماية العروش وقمع الشعوب، هو ذروة الخنوع والارتكاس القيمي، إذ يرتضون لأنفسهم دور المتفرج بل والمشارك في حصار إخوانهم في العقيدة والمصير، مفضلين كسب رضا البيت الأبيض والعواصم الغربية على كسب رضا الله ورسوله والمؤمنين.

 

وإذا نظرنا إلى البعد الإنساني، فإن حجم المعاناة التي يعيشها أهل غزة تفوق قدرة الوصف؛ فمقتل أكثر من 950 مسلما في ظل ما يُسمى بالتهدئة الهشة يعكس الطبيعة الإجرامية لكيان يهود الذي لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة، كما يعكس انعدام الإحساس لدى الأنظمة الحاكمة وجيوشها التي تقف متفرجة على قوافل الشهداء والأشلاء وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها. إن كل قطرة دم تسيل في غزة وكل صرخة طفل جائع أو امرأة ثكلى هي صك إدانة يلاحق هؤلاء الحكام الخانعين القادرين على إنهاء هذه المعاناة في ساعات معدودة، لكنها المؤامرة والتواطؤ عبر غرف العمليات المشتركة والاتفاقيات الأمنية المذلة، ما يجعل الخسارة تتجاوز حدود القطاع المكلوم لتصيب الأمة الإسلامية بأسرها في كرامتها وعزتها.

 

إن هذا التشخيص المرير للواقع الذي نعيشه، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن كافة الحلول الترقيعية والمفاوضات العبثية والتهدئات الهشة التي تصاغ في أروقة المخابرات الدولية والإقليمية لن تقود إلا إلى مزيد من الذل والاستعباد وضياع الحقوق. إن الرهان على الوسطاء، أو على النظام الدولي، هو رهان على السراب، فالحل الجذري الوحيد لهذه القضية المصيرية لا ينطلق من استجداء وقف إطلاق النار أو الرضا بفتات المساعدات الإنسانية المشروطة، بل يكمن في أمر واحد لا بديل عنه، وهو اقتلاع هذه الأنظمة الخائنة من جذورها، وتطهير بلاد المسلمين من نفوذ المستعمرين، والعمل الجاد والمخلص لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. إن الخلافة هي وحدها القادرة على جمع شتات المسلمين وتوحيد طاقاتهم وجيوشهم تحت راية واحدة، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهي الدولة التي لن ترسل المندوبين والوسطاء للتفاوض على سلاح المقاومة، بل ستحشد الجيوش العرمرم، لتدك حصون كيان يهود دكاً، وتطهر المسجد الأقصى المبارك وفلسطين كاملة من رجسه، ليعود للأمة عزها المفقود، ويتحقق وعد الله سبحانه ونبوءة رسوله الكريم بالتمكين والنصر المبين. ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع