الأحد، 07 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/10/18م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حين يتحول مقعد الدراسة إلى مسرح للجريمة أي مجتمع نصنع لأبنائنا؟!

 

لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو كيف وصل السكين إلى يد طالب، بل كيف وصل بعض أبنائنا إلى مرحلة أصبح فيها الاعتداء على حياة زميل لهم أمراً يقدمون عليه؟! وأي خلل أصاب المجتمع حتى بات المكان الذي يُفترض أن يتلقى فيه الطفل العلم والتربية والأمان، مكاناً قد يخشى فيه على حياته؟!

 

لقد أعادت حوادث العنف الخطيرة التي شهدتها مدارس في تركيا، ومنها ما أُثير بشأن حوادث في باشاك شهير وإسينيورت بإسطنبول، الحديث عن الاعتداءات بين الطلاب، وما قد تصل إليه من طعن وقتل. وهي أخبار لا ينبغي أن تمر باعتبارها مجرد وقائع جنائية تنتهي بالقبض على الجاني وتشديد الإجراءات الأمنية، بل تستدعي النظر في البيئة التي ينشأ فيها هؤلاء الأحداث، والأفكار والقيم التي تتشكل في ظلها شخصياتهم.

 

إن التنمر أو الخلاف بين الطلاب قد يكون الشرارة التي تفجر الاعتداء، لكنه لا يكفي وحده لتفسير هذا المستوى الخطير من العنف. فليس كل من تعرض للتنمر أصبح قاتلاً، وليس كل من عاش ظروفاً قاسية فقد القدرة على ضبط سلوكه. ولذلك فإن اختزال المشكلة في سبب واحد يحجب عنا ضرورة البحث في مجموعة العوامل التي قد تجعل بعض الأحداث أكثر استعداداً للعنف.

 

وإذا أردنا أن نفهم ما يحدث داخل المدارس، فعلينا أن ننظر أولاً إلى ما يحدث خارج أسوارها.

 

فالمجتمع ليس مجموعة أفراد يعيشون في مكان واحد فحسب، وإنما هو أفراد تربطهم علاقات دائمة، تسيرها أفكار ومشاعر وأنظمة. ومن هنا فإن شخصية الإنسان لا تتشكل بالتوجيه الفردي وحده، بل تتأثر أيضاً بالمفاهيم السائدة والعلاقات المجتمعية والنظام الذي ينظم شؤون الناس.

 

وهذا يقودنا إلى مسألة جوهرية، وهي أزمة الهوية التي يعيشها المجتمع في تركيا في ظل التناقض بين انتمائه الإسلامي والنظام العلماني الذي يحكم حياته. فمن جهة، ما زال الإسلام حاضراً في عقيدة قطاعات واسعة من الناس وشعائرهم ومظاهر حياتهم، ومن جهة أخرى تقوم الدولة على أساس علماني يفصل الدين عن الحكم والتشريع. وفي ظل هذا الواقع يتلقى الناشئ رسائل متباينة حول المرجعية التي ينبغي أن يحتكم إليها، وحول معنى الحرية والمسؤولية والغاية من الحياة.

 

والمشكلة هنا ليست في وجود اختلاف بين الناس، وإنما في غياب أساس فكري منسجم تتبناه الدولة لتنشئة الأجيال على العقيدة الإسلامية وما ينبثق عنها من مفاهيم وأحكام. فالعقيدة الإسلامية ليست مجرد شعور روحي يمنح الإنسان الطمأنينة، بل هي أساس فكري يحدد نظرته إلى الحياة، ويضبط سلوكه، ويربط أفعاله بأوامر الله ونواهيه. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. ومن هنا تظهر خطورة أن يتلقى الشابُّ الإسلامَ باعتباره جانباً من حياته، بينما يتلقى من الثقافة السائدة مفاهيم أخرى تجعل إشباع رغباته وتحقيق مصالحه الشخصية المقياس الأهم لسلوكه.

 

لقد أصبحت المظاهر المادية والاستهلاك والمنافسة على المال والشهرة والمتعة تحتل مساحة واسعة من حياة الشباب، وتؤثر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في تشكيل تصوراتهم عن النجاح والسعادة والمكانة المجتمعية.

 

وفي ظل الثقافة الرأسمالية التي تجعل المنفعة والقيمة المادية في مركز الحياة، قد يتحول تقدير الإنسان لنفسه إلى ما يملكه، أو ما يستطيع إظهاره للآخرين، بدل أن يقوم على قيم ثابتة تضبط سلوكه وتحدد مسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه.

 

وهنا ينبغي أن نتساءل: ماذا يحدث حين ينشأ الإنسان على تعظيم رغباته، دون أن يتعلم بالقدر الكافي أن أفعاله مقيدة بأحكام شرعية، وأن للآخرين حقوقاً لا يجوز الاعتداء عليها مهما اشتد غضبه أو إحباطه؟

 

إن الإسلام لا يجعل الحرية الفردية المطلقة أساساً لتنظيم السلوك، وإنما يجعل الأصل في أفعال الإنسان التقيد بالحكم الشرعي. فليس للإنسان أن يعتدي على غيره لأنه غضب، ولا أن يستبيح حقاً لأنه شعر بالإهانة، ولا أن يجعل رغبته الشخصية مبرراً لإيذاء الآخرين. قال رسول الله ﷺ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث يربط حقيقة الاستقامة في التعامل بسلامة الآخرين من الأذى، فلا يكفي أن يؤدي الإنسان شعائره ثم يتعامل مع حقوق الناس وكأنها أمر ثانوي!

 

أما الجانب الآخر من الأزمة، فهو الضغط المعيشي الذي يثقل كاهل الأسر. فالغلاء وارتفاع تكاليف الحياة والقلق على تأمين الاحتياجات الأساسية تجعل كثيراً من الأسر تعيش ضغوطاً متواصلة، وقد تضطر الأم والأب إلى العمل لساعات طويلة لتأمين نفقات البيت، فيضيق الوقت المتاح للتواصل مع الأبناء ومتابعة أحوالهم.

 

وليس المقصود أن عمل المرأة هو سبب العنف، أو أن كل أسرة تعاني ضيقاً مادياً تعجز عن تربية أبنائها، وإنما المقصود أن النظام الاقتصادي الذي لا يضمن للناس حاجاتهم الأساسية، ويترك الأسرة تواجه أعباء الحياة وحدها، قد يزيد الضغوط التي تنعكس على العلاقات داخل البيت. فالطفل يحتاج إلى الرعاية والتوجيه والشعور بالأمان، كما يحتاج إلى بيئة أسرية ومجتمعية مستقرة. وحين تتراكم الضغوط وتضعف المتابعة وتغيب المعالجة المبكرة للمشكلات السلوكية، فإن احتمالات تفاقم بعض المشكلات تزداد، وإن لم يكن ذلك حتمياً.

 

وهنا تتضح مسؤولية الدولة عن رعاية شؤون الناس، لا باعتبارها جهة تفرض العقوبات بعد وقوع الجرائم فحسب، بل باعتبارها مسؤولة عن توفير التعليم والرعاية الصحية والأمن، وعن إيجاد نظام اقتصادي يضمن إشباع الحاجات الأساسية للأفراد. قال رسول الله ﷺ: «الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه. فالرعاية ليست شعاراً سياسياً، وإنما مسؤولية تتعلق بحياة الناس وأمنهم ومعاشهم وتربية أجيالهم.

 

ومن الخطأ أن نتصور أن معالجة العنف المدرسي تتحقق بمجرد زيادة عدد الحراس أو تركيب الكاميرات أو تشديد العقوبات. فهذه الإجراءات قد تكون ضرورية لمنع الاعتداءات وحماية الطلاب، لكنها لا تعالج وحدها الأفكار والسلوكيات والظروف التي تسهم في نشوء المشكلة. فالحارس يستطيع أن يمنع دخول سكين إلى المدرسة، لكنه لا يستطيع وحده أن يغرس في نفس الطالب حرمة الدماء.

 

وهنا تظهر أهمية التربية القائمة على العقيدة الإسلامية، التي تجعل الإنسان يدرك أن حياته ليست ملكاً مطلقاً يتصرف فيها كيف يشاء، وأن حياة الآخرين مصونة بأحكام الله. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فحرمة النفس في الإسلام ليست مجرد قاعدة قانونية تفرضها الدولة، وإنما حكم شرعي يرتبط بإيمان الإنسان ومحاسبته أمام الله، وتترتب عليه أحكام تحفظ الحقوق وتمنع الاعتداء.

 

لكن هذه التربية لا يمكن اختزالها في حصة دينية داخل مدرسة يقوم تعليمها العام على مفاهيم منفصلة عن العقيدة الإسلامية، كما لا يمكن فصلها عن طبيعة المجتمع والنظام الذي يعيش فيه الطلاب.

 

ومن هذا المنطلق فإن الرؤية الإسلامية التي ندعو إليها لا تقف عند مطالبة الأفراد بتحسين أخلاقهم، مع أهمية ذلك، وإنما تنطلق من أن الإسلام عقيدة ينبثق عنها نظام يعالج شؤون الحياة كلها، وأن إصلاح المجتمع يحتاج إلى معالجة الأساس الفكري الذي تقوم عليه علاقاته، والأنظمة التي تنظم شؤونه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، فالعودة إلى الإسلام لا تعني زيادة المظاهر الدينية مع الإبقاء على العلمانية أساساً للحكم والتشريع، وإنما تعني أن تكون العقيدة الإسلامية أساس الدولة، وأن تنبثق عنها أنظمة الحكم والاقتصاد والتعليم والاجتماع.

 

ومن هنا تأتي الدعوة إلى إقامة الخلافة الراشدة، بوصفها الدولة التي تتبنى أحكام الإسلام وتطبقها، وترعى شؤون الأمة على أساسها، وتجعل بناء الشخصية الإسلامية غاية أساسية من غايات التعليم.

 

وليس معنى ذلك أن وجود الدولة الإسلامية يلغي إمكانية وقوع الجرائم، فالإنسان يبقى قابلاً للطاعة والمعصية، وإنما المقصود أن معالجة الانحراف لا تُترك للمواعظ الفردية وحدها، بل تتكامل فيها التربية والتشريع والرعاية والمحاسبة.

 

إن أخطر ما في حوادث العنف المدرسي ليس الجريمة وحدها، على فداحتها، بل أن نعتاد وقوعها، ثم نكتفي كل مرة بالحزن والغضب والمطالبة بالعقوبة، دون أن نفتح باب السؤال عن الأسس التي يقوم عليها المجتمع الذي يربي أبناءنا.

 

فليس المطلوب أن ننتظر وقوع الجريمة حتى نسأل كيف نحمي الأطفال، وإنما أن نبني مجتمعاً تُصان فيه حقوقهم، وتُرعى فيه حاجاتهم، وتُغرس في نفوسهم المفاهيم التي تضبط سلوكهم قبل أن تمتد أيديهم بالأذى إلى غيرهم.

 

والسؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً أمامنا: هل نريد مدارس أكثر حراسة فحسب، أم نريد مجتمعاً تكون فيه حرمة الإنسان وحقوقه جزءاً أصيلاً من عقيدة أبنائنا وتربيتهم وحياتهم؟

 

إن حماية الجيل لا تبدأ عند أبواب المدارس وحدها، بل تبدأ من الأساس الذي تُبنى عليه شخصيته، ومن الأفكار التي يحملها، ومن النظام الذي يرعى شؤونه. فإذا كان الخلل في الأساس، فلن يكفي أن نُصلح ما يظهر على السطح، ثم نترك الجذور على حالها. فلا صلاح لجيلٍ يُربّى على التناقض، ولا نهضة لأمةٍ تُقصي الإسلام عن حياتها.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

دارين الشنطي

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع