الخميس، 25 ذو الحجة 1447هـ| 2026/06/11م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

النذير العريان: رسالة النجاة بين منهج الوحي وضياع الوعي في عصر السرعة

 

قال النبي ﷺ: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ».

 

هذا الحديث العظيم يختصر حقيقة دعوة النبي ﷺ وموقف الناس منها حيث يشبّه النبي نفسه برجل رأى جيشا مقبلا ليهجم على قومه فأسرع يحذرهم ويقول: النجاء النجاء! أي اهربوا قبل فوات الأوان.

 

وكان العرب يسمون هذا المحذر "النذير العريان" لأنه كان إذا رأى خطرا داهما قد يخلع ثوبه أو يلوح به ليجذب الانتباه ويؤكد صدق الإنذار وخطورته. فانقسم القوم إلى فريقين: فريق صدق التحذير فنجا، وفريق كذب واستهان فهلك. وهكذا كان حال الناس مع رسالة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام؛ من اتبع الوحي نجا في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عاش في وهم الأمان حتى فاجأه الهلاك. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.

 

إن ما جاء به النبي ﷺ إنذار لمصيرين لا ثالث لهما: الجنة أو النار على أساس الإيمان والطاعة الكاملة لله، فالرسالة في جوهرها طريق نجاة أو طريق هلاك، وليست حيادا بين الطريقين.

 

لقد أدى رسول الله ﷺ الرسالة وبلغ الأمانة وبقيت الأمة على ميراثه من القرآن والسنة.

 

إن تبليغ الدين بعد رسول الله ﷺ يجب أن يكون على منهجه لا كما نراه اليوم، فمنذ هدم الخلافة قبل أكثر من مائة عام ونحن لا نسمع على المنابر غالبا إلا دعاة اعتمدوا منهج الترهيب والترغيب دون المساس بواقع الأمة، فخلطوا الحق بالباطل عبر توظيف النصوص في غير مواضعها وتماشوا مع واقع مخالف للمنهج وعملوا على تجزئة الدين بحيث يؤخذ بعضه ويترك بعضه الآخر، ما أدى إلى تفريغ الدين من جوهره حتى تحول إلى شعارات عامة وإلى طقوس دينية بلا التزام حقيقي، فكانت دعوتهم هباء منثورا، عاجزة عن إحداث الأثر المطلوب في الأمة لأن طريقة التفكير خاطئة وطريقة الطرح مهجّنة ومخالفة لمنهج رسولنا الكريم ﷺ.

 

إن الغرب لم يهدم الخلافة من خلال العبث بنصوصها التشريعية وإنما وجه رأس حربته تجاه العمل على تغيير الفكر الإسلامي وتدجينه بأفكار غربية رأسمالية فكانت النتيجة أمة لا تبالي إن لم يطبق شرع الله عليها لأنها أُغرقت بحروب ورفاهيات ومكاسب وخسائر دنيوية أشغلتها عما خلقت لأجله، فتغييب مقياس الحلال والحرام عن فكر الأمة يسهل التحكم بها واقتيادها بسهولة نحو الملذات والماديات الرأسمالية والاستسلام والتسليم ولا كرامة.

 

وانطلاقا من هذا الإدراك، يتوجب معالجة المشكلة من جذورها بالعمل على إعداد داعٍ (نذير) يتمتع بالشخصية الإسلامية الفكرية، الذي يسبق القوم في رؤية ما لا يراه القوم وتفسير ما يجري من أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية متداخلة وتداعيات معقدة يصعب فهمها على العوام، فيتجول على أطراف الأحداث ولا يغرق فيها، وإنما ينظر إليها من الخارج ويقرأ الأحداث السياسية ومخططات الدول الفاعلة فيكشفها قبل وقوعها باعتبارها التي تدير المجتمع وتتحكم في مصيره، ويسلط الضوء على الأحداث الاقتصادية التي تتحكم في إفقار الشعوب أو إغنائها...

 

ويتمحص الأحداث المتعلقة بالنظام الاجتماعي لأنها تتحكم في تماسك المجتمع أو هدمه من داخله من خلال إبراز ما ينشر الفضيلة والعفة والطهر والحفاظ على الأسرة وفضح ما ينشر لإسقاط المجتمع في حمأة الرذيلة فيتحول إلى الناحية الحيوانية التي تحركها الشهوة فيضيع الشباب في ذلك الهبوط الحيواني تاركين معالي الأمور وعظائم الأحداث.

 

من هذا المنطلق يكون عمل الداعي (النذير) هو هدم خطط العدو فلا يسوّق الجمال المتوهم بأدلة الشرع بل يفكر خارج نطاق القانون والنظام الذي يسمح به النظام الفاسد المتحكم في حياة المجتمع، فيكسر المألوف الذي تراكم منذ لحظة إقصاء الإسلام وينقيه من إفرازات الرأسمالية العفنة، ويفضح أهداف العدو وأدواته من خلال الدعوة إلى الإسلام كاملا لا أجزاء منتقاة منه على أساس القرآن والسنة كمعيار للحكم، فيقدم الدليل على الرأي والنص على الهوى ويحيي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بميزان العلم والحكمة ويثبت على الحق ولو خالفه الناس أو السلطان فلا يختزل الدين في العبادات الفردية فقط بل يطرحه كمنهج حياة شامل.

 

في المقابل نواجه مسألة خطيرة جدا لا بد من تسليط الضوء عليها أيضا في هذا المقال لربط جذر المشكلة مع واقعنا اليوم: وهي نمط الحياة الذي فرض على الناس نتيجة العبث الغربي في مجتمعاتنا واقتحامها من خلال وسائل التواصل ومحركات البحث السريعة، فأصبح الإنسان المعاصر يعيش داخل نمط حياة قائم على السرعة: أخبار سريعة ومقاطع قصيرة وقناعات تتبدل بضغطة زر وانتقال دائم بين الآراء دون تمحيص.

 

فصار كثير من الناس يكتفون بالعناوين دون المضمون وبالانطباعات بدل البحث، وبالمتابعة بدل الفهم، فكانت النتيجة جيلاً ملولاً مشتتاً، وهنا الخطورة أن من يبني قناعاته على السرعة يقاد بسهولة دون وعي.

 

فعصر السرعة الذي نعيشه قد سرق من الإنسان ملكة التفكير والتثبت، وهذا واقع لا يمكن أن يتغافل عنه الداعي (النذير) بل يجب أن يعمل على معالجته بتغيير فكرة الاتباع الأعمى دون المطالبة بدليل شرعي من مصادره الموثوقة، وتقديم العلم الحقيقي بشكل موسع بأسلوب منهجي جذاب يحرك الفكر ويدرب العقل على التفكير وقراءة الواقع خارج الصندوق الذي أريد للأمة أن تقبع فيه لتسهل قيادتها، فتطرح مواضيع من شأنها ربط الناس بقضايا أمتهم والحرب على دينهم ومناقشة ما وراء الأحداث السياسية والاقتصادية واستعراض المشاكل التي تواجه الأمة لأنها أضاعت دينها، عندها فقط تدرك الأمة أن طوق نجاتها الوحيد يكون باستعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تعينهم على تغيير واقعهم.

 

الأمة اليوم لا تحتاج أي نذير، بل نذيرا مفكرا كزرقاء اليمامة ثاقب البصر، يرى عن بُعد، ويحذر قومه لأنه يمتلك بصيرة مع البصر، فلا تخدعه المرئيات الظاهرة ولا تخدعه إغراءات اللحظة فيرى الصورة الحقيقية التي خلفها، فينبه قومه حتى لو قالوا له كما قال قوم الزرقاء لها: لقد خرفت!! قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع