- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
تأملات في ثبات حامل الدعوة وأمانة الطريق
ليس صاحب الفكرة مَن لا يتألم، ولا مَن لا تتكسّر في صدره أشياء لا يراها الناس، بل هو الذي لا يسمح لألمه بأن يهزمه، ولا لخذلان الآخرين بأن يطفئ النور الذي يحمله.
حامل الدعوة، عندما يتحجّر الواقع أمامه، لا يجعل ذلك نهاية الطريق؛ قد يحزن، وقد يتعب، وقد يشعر بالغربة بين قومه، لكنه سرعان ما يستجمع روحه ويمضي؛ لأن مَن يحمل رسالة أكبر من ذاته لا يملك رفاهية الاستسلام لكل خيبة.
والداعي إلى الله ليس رجلاً يعتلي المنابر فحسب، بل هو إنسان يحمل همَّ الهداية، ويؤمن بأن الكلمة أمانة، وأن الأخلاق جزء من الدعوة، وأن إصلاح الناس لا يمكن أن يبدأ قبل إصلاح نفسه. وقد يمضي أعواماً فلا يرى الثمرة، وقد يُقابَل بالجحود، ومع ذلك لا يجعل جفاء الناس مبرراً للتراجع، ولا مخالفتهم له دليلاً على بطلان الطريق.
حامل الدعوة الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد المصفقين له، بل بصدق نيته، واستقامة سلوكه، وأمانته في أداء رسالته؛ لأنه يدرك أن الهداية بيد الله، وأن واجبه هو البلاغ بالحكمة والموعظة الحسنة.
يثبت حامل الدعوة حين يجدّد صلته بالله، ويطهّر نيته من حب الظهور، ويراجع نفسه قبل أن يحاسب الآخرين. ويثبت حين يتحجّر الواقع، فيتمسك بالمبدأ ويصبر على الطريق، دون أن يرفض تصحيح الوسيلة والأسلوب.
يتعلم الداعي إلى الله من الخذلان درساً، ويدرك أن تأخّر الثمرة لا يعني موت البذرة. والحكمة أن يتعلم من التجربة دون أن يسمح لها بأن تزرع المرارة في قلبه.
وليس الثبات أن يتحول حامل الدعوة إلى حجر لا يشعر؛ فالقلوب قد تتعب، والنفوس قد تضعف، والإنسان يحتاج إلى مَن يسانده. لكن الفرق يكمن في أن يجعل من تعبه محطة يستعيد فيها قوته.
لا يجعل حامل الدعوة رضا الناس ميزاناً لصدقه؛ بل عليه أن يعمل بإخلاص، وأن يتكلم بعلم، وأن يكون رحيماً دون ضعف، وحازماً دون ظلم.
إن الطريق إلى الله ليس سباقاً نحو الشهرة، ولا معركة لإثبات الذات، بل أمانة تحتاج إلى صبر وبصيرة وإخلاص.
لا يبيع حامل الدعوة قناعاته في سوق رضا الناس، ولا يجعل خيباته نهاية لرسالته. قد تدمع عيناه ألماً، لكن قلبه يبقى معلّقاً بالله، وقد يتعب جسده، لكن عزيمته لا تفتر؛ لأنها تستمد قوتها من إيمانه. وقد يتخلى عنه السائرون، لكنه لا يتخلى عن الحق لمجرد أن الطريق أصبح موحشاً.
إنه ليس رجلاً مجرداً يتقن الكلام، أو يحفظ النصوص، أو يقف أمام الناس ليحدثهم عن الفضيلة، وإنما هو إنسان اختار أن يجعل حياته شاهداً على ما يدعو إليه، وأن يحمل همَّ الهداية في زمن كثرت فيه الأصوات، وقلّ فيه الإصغاء، وتزاحمت فيه المصالح، حتى صار قول الحق عند الناس عبئاً، وأصبح السكوت أسهل سبيلاً إلى القبول.
لا يطرق حامل الدعوة أبواب القلوب وهو يشترط أن تُفتح له من المرة الأولى؛ فهو يعلم أن وظيفته البلاغ بالحكمة والموعظة الحسنة، لا امتلاك النتائج.
وقد يجد نفسه غريباً بين قوم يريد لهم الخير، لكنهم لا يرون في يده إلا مرآة تكشف ما لا يرغبون في رؤيته.
ويثبت حين يجدّد صلته بالله؛ فلا ينبغي أن يجعل نشاطه الدعوي بديلاً عن عبادته، ولا انشغاله بإصلاح الناس حجاباً يحول بينه وبين إصلاح نفسه. فما قيمة أن يرشد الناس إلى النور، ثم يترك مصباح قلبه ينطفئ؟
إنه يحتاج إلى صحبة تعينه على الطريق، وإلى علم يصحح مساره، وإلى راحة تحفظ توازنه؛ لأنه يعلم أن الاستمرار يحتاج إلى حكمة بقدر ما يحتاج إلى حماسة وصبر طويل، لا إلى اندفاع يشتعل سريعاً ثم يخبو.
إن مَن يحمل فكرة أكبر من ذاته لا ينشغل طويلاً بحساب مَن خذله، بل يسأل نفسه: ما الذي ينبغي أن أفعله الآن؟ وكيف أجعل من هذه المحنة خبرة تنفعني؟ وكيف أواصل العمل دون أن أسمح للخذلان بأن يقلل من اندفاعي؟
عليه أن يزرع ولا يستعجل الحصاد.
وعلى حامل الدعوة ألّا يتنازل عن الحق مهما طال الطريق، وأن يكون وفيّاً له ما دام قد عرفه، وسار إليه ببصيرة ورحمة وإخلاص.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



