الإثنين، 08 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/10/19م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

حين يتحول الوقود من سلعة إلى ورقة في صراع القوى الكبرى

 

 

في السياسة الدولية، لا تُقاس قيمة الموارد بما تنتجه فقط، بل بما تمنحه من قدرة على التأثير في قرارات الآخرين. وقد لا تحتاج دولة إلى قطع إمدادات الطاقة عن خصمها كي تضغط عليه؛ يكفي أحياناً أن تتحكم في توقيت وصولها، أو أن تغيّر وجهتها، أو أن تجعل استمرارها موضع شك. وعندما يصبح مورد حيوي، مثل الديزل، نادراً في لحظة اضطراب دولي، فإن شحناته قد تتجاوز قيمتها التجارية لتصبح جزءاً من معادلة النفوذ.

 

من هذه الزاوية، يستحق الإعلان الذي صدر في واشنطن يوم 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بشأن إمدادات الديزل الروسي للأسواق الأمريكية والعالمية، قراءة تتجاوز حدود تجارة الوقود. فرئيس أمريكا ترامب أعلن، عقب اتصال مع رئيس روسيا بوتين، أن روسيا ستوفر أكثر من 300 ألف طن من الديزل بصورة فورية، تليها كميات إضافية خلال تشرين الثاني/نوفمبر وما بعده. كما أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصاً مؤقتاً يسمح بمعاملات مرتبطة بالديزل الروسي حتى نيسان/أبريل 2027، وفق شروط الترخيص.

 

يأتي هذا التطور بينما تواجه أسواق الطاقة اضطرابات مرتبطة بحرب أمريكا على إيران والحرب الروسية الأوكرانية، وفي وقت بلغت فيه أسعار ديزل أمريكا مستويات مرتفعة، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وهنا يبدأ السؤال السياسي: هل نحن أمام إجراء اقتصادي عاجل، أم تقاطع مصالح مؤقت، أم خطوة يمكن أن تفتح الباب أمام تفاهمات أوسع بين واشنطن وموسكو؟

 

ظلت العلاقة بين أمريكا وروسيا محكومة بالتنافس في ملفات الأمن والنفوذ والعقوبات، لكنها لم تكن خالية من التعاون عندما التقت المصالح. وقد شهدت سوريا قنوات للتنسيق العسكري وتفادي الاشتباك، رغم اختلاف أهداف الطرفين.

 

وتزداد أهمية الخطوة لأن الإدارة الأمريكية كانت قد شددت العقوبات على قطاع الطاقة الروسي، قبل أن تسمح بالتسهيلات الجديدة. وقد رأت وكالة أسوشيتد برس في القرار تحولاً لافتاً عن سنوات ضغط أمريكا على روسيا. كما أشار الكرملين إلى أن اتصال الرئيسين تناول، إلى جانب الطاقة، آفاق تسوية الأزمة الأوكرانية والعلاقات الثنائية.

 

من هنا يمكن اختبار فرضية أن الديزل يمثل مدخلاً إلى تفاهمات أوسع. لكن إثباتها يتطلب ظهور نتائج في ملفات أخرى، لا الاكتفاء بإعلان تجاري مهما بلغت قيمته.

 

لا يمكن تجاهل البعد الداخلي؛ فقد ربط ترامب إعلانه صراحة بخفض أسعار الوقود لمصلحة المزارعين وسائقي الشاحنات والمستهلكين، فيما أوردت رويترز أن متوسط سعر الديزل الأمريكي بلغ 6.28 دولارات للغالون يوم الخميس السابق للإعلان.

 

وفي اقتصاد يعتمد على النقل البري والزراعة وسلاسل التوزيع، لا يبقى ارتفاع الديزل محصوراً في محطات الوقود؛ بل قد ينتقل إلى أسعار الغذاء والسلع والخدمات. لذلك فإن توفير إمدادات إضافية قد يمنح الإدارة فرصة لتخفيف الضغط الاقتصادي والسياسي قبل الانتخابات.

 

لكن الاختبار الحقيقي ليس الإعلان عن الشحنات، بل وصولها وتأثيرها الفعلي في السوق. كما أن استمرار التسهيلات بعد الانتخابات سيكون مؤشراً مهماً.

 

أوروبا بين ضغط الطاقة ومظلة أمريكا الأمنية

 

تظهر هنا إحدى أكثر حلقات المشهد حساسية؛ ففي مطلع تشرين الأول/أكتوبر، أفادت تقارير نقلتها رويترز بأن واشنطن ضغطت على فرنسا وألمانيا لاستخدام مخزوناتهما الطارئة من الديزل للمساعدة في تخفيف الأسعار، ولوّحت بإمكانية تقييد صادرات الديزل الأمريكية.

 

ومن الممكن أن يؤدي استمرار التهديد الروسي، بالتزامن مع تذبذب الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا، إلى زيادة اعتماد بعض الدول الأوروبية على مظلة أمريكا الأمنية. وقد يدفعها ذلك إلى تقديم تنازلات في قضايا الإنفاق الدفاعي أو تقاسم الأعباء أو العلاقات التجارية. لكن ثمة احتمالاً معاكساً أيضاً؛ أن تدفع هذه الضغوط أوروبا إلى تسريع بناء استقلالها الدفاعي والطاقوي.

 

الصين.. ضغط غير مباشر من دون قطع الإمدادات

 

إذا كانت أوروبا تمثل ساحة للضغط السياسي والأمني، فإن الصين تمثل ساحة المنافسة الاستراتيجية الأوسع.

 

لا تقوم الفرضية هنا على أن أمريكا ستمنع الديزل عن الصين مباشرة، بل على احتمال أن يؤدي تغيير وجهات الإمدادات الروسية إلى التأثير في توازن السوق وشروط حصول الصين على الوقود. ففي أسواق الطاقة، قد يكون لتوجيه شحنات إضافية نحو جهة ما أثر في الأسعار والوجهات التجارية المتاحة للجهات الأخرى، حتى من دون فرض حظر رسمي.

 

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء اضطراب سوق الوقود الآسيوية. فقد أفادت رويترز في 9 تشرين الأول/أكتوبر بأن الصين ستستأنف صادرات الوقود المكرر خلال الشهر، بعد توقف قصير، مع موافقات تصديرية لنحو 3.7 ملايين طن من الديزل والبنزين ووقود الطائرات مجتمعة. وتوضح هذه التطورات أن قرارات التصدير الصينية نفسها تؤثر في توازن الإمدادات الآسيوية والعالمية.

 

ومع ذلك، لا يوجد في إعلان أمريكا وروسيا ما يثبت أن الاتفاق يستهدف الصين تحديداً، أو أن الكميات الروسية الموجهة إلى الأسواق الأخرى ستؤدي إلى تقليص إمداداتها. فذلك يتوقف على حجم الإنتاج الروسي، ووجهات التصدير الفعلية، وقدرة الموردين الآخرين على التعويض.

 

الديزل.. عندما تصبح القدرة على الإمداد مصدراً للنفوذ

 

تتجاوز أهمية الديزل سعره المباشر؛ فهو وقود أساسي للنقل البري والشحن والزراعة ومجموعة واسعة من الأنشطة الصناعية. ولهذا فإن نقصه قد يرفع تكاليف الإنتاج والتوزيع، ويضغط على قطاعات لا تستطيع الاستغناء عنه سريعاً.

 

وفي ظل أزمة عالمية، لا تنحصر القوة في امتلاك الاحتياطيات أو زيادة الإنتاج؛ بل تشمل القدرة على إيصال الوقود إلى الأسواق المحتاجة، وتحديد توقيت الشحنات، والتأثير في وجهتها وشروط بيعها.

 

لكن يجب التمييز بين الندرة الفعلية والارتفاع الحاد في الأسعار. فليس كل ارتفاع دليلاً على اختفاء السلعة، كما أن إعلان كميات كبيرة لا يعني وصولها فوراً أو توزيعها بالتساوي. وتبقى المصافي المتضررة، والقيود التصديرية، وتكاليف النقل، والاضطرابات العسكرية عوامل قد تحد من الأثر المتوقع للاتفاق.

 

لذلك تكمن أهمية اتفاق الديزل الروسي الأمريكي في أنه يجمع، في لحظة واحدة، بين حاجة أمريكية داخلية، ومصلحة روسية في توسيع أسواق منتجاتها النفطية، وضغوط على أوروبا، ومنافسة استراتيجية مستمرة مع الصين.

 

وقد تتقاطع هذه المصالح من دون أن تكون جميعها جزءاً من خطة واحدة. وربما تستفيد واشنطن من التعاون مع موسكو في الطاقة، فيما تواصل الضغط عليها في كييف؛ وقد تستفيد روسيا اقتصادياً من تخفيف القيود، من دون أن تتخلى عن أهدافها السياسية والعسكرية. وفي الوقت نفسه، قد تجد أوروبا نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً بين حاجتها إلى حماية أمريكا ورغبتها في استقلال القرار، بينما تراقب الصين أثر اضطراب الإمدادات في أمنها الاقتصادي.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع