- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-10-21
جريدة الراية:
حرب نظام أذربيجان على الخمار
ستكون شرارة تقرب انهياره!
قام مجلس وزراء أذربيجان، استناداً إلى القرار رقم 309 الذي أصدره في 21 أيلول/سبتمبر الماضي، بمنع ارتداء ملابس إضافية تخل بوحدة الزي المدرسي أو تتعارض مع مبدأ علمانية التعليم العام.
عند قراءة التاريخ الحديث في البلاد الإسلامية، يتبين أن المؤسسات التعليمية كانت إحدى أشد ميادين الصراع بين هوية الأمة وممارسات جهاز الدولة. إن المدارس التي كان ينبغي أن تكون فضاء للعلم والتربية وبناء المستقبل؛ قد تحولت مع الأسف، على مدى سنوات طويلة إلى ساحة لفرض العلمانية على النمط الغربي، والطموحات الرامية إلى تحويل المجتمع عبر مشاريع الهندسة الاجتماعية، والمساعي الرامية إلى محو الرموز الإسلامية. أما الشكل الأكثر تجسيداً، والأشد إيلاماً والأكثر رمزية لهذا الإكراه فقد تمثل بلا شك في إعادة الطالبات والمعلمات المحجبات من أبواب المدارس، وانتزاع حقهن في التعليم والتدريس منهن قسراً.
لقد احتلت المشاهد التي شهدتها بوابات المدارس خلال هذه العملية مكانها بين أكثر المآسي التي لا تنسى في تاريخ البشرية. ذلك أن الفتيات الشابات اللواتي يتوجهن إلى مدارسهن في ساعات الفجر الأولى، حاملات كتبهن الدراسية وراغبات في دخول صفوفهن؛ قد واجهن عند أبواب المدارس حواجز للشرطة ونقاط تفتيش مهينة؛ وأجبرن إما على خلع الخمار والتنازل عن معتقداتهن وعفتهن، أو على توديع حياتهن التعليمية. وقد فُرض هذا الضغط نفسه أيضاً على المعلمات اللاتي كرسن حياتهن للتعليم وإرشاد تلاميذهن. وبالفعل، أجبرت آلاف المعلمات اللواتي فصلن من مهنهن، أو نفين، أو أرغمن على الاستقالة، أو أظلمت حياتهن بسبب التحقيقات التأديبية، أجبرن على الاختيار القاسي بين معتقداتهن ومهنهن.
إن أجواء الاستبداد والقمع التي عاشتها الأمة الإسلامية خلال مسار تاريخها الحديث لم تواجه بقبول صامت، بل على العكس، لقد أشعلت فتيل مقاومة مجتمعية كبرى وسعي إلى العدالة؛ لأن المظاهرات والاحتجاجات والنضالات القانونية والتجمعات الجماهيرية التي بدأها أبناء الأمة أمام المدارس؛ قد أثبتت أن هذا الحظر لا يتعلق بمجرد قطعة قماش نزعت عن الرأس، بل يتعلق مباشرة بوجود الأمة وعقيدتها. وبالفعل فإن العائلات التي تقف إلى جانب أبنائها بدافع المشاعر الأسرية، والمثقفين المؤمنين والجماهير ذات المشاعر الحية، قد رفعوا أصواتهم دائماً ضد هذا الظلم. أما بالنسبة إلى النقطة التي وصلت إليها هذه العملية، فقد تجلى الصراع بين الحق والباطل حتماً؛ إذ إن هذه المحظورات الصارمة والعدائية التي استمرت لسنوات، لم تستطع اقتلاع الهوية الإسلامية من أعماق المجتمع ولا جعلت الخمار ينسى.
إن الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة التاريخية للاعتداء على خمار العفيفات من نساء الأمة الإسلامية قد ظهرت في أذربيجان. إن عداء النظام الأذري للخمار، أي للإسلام، ليس بالأمر الجديد؛ إذ إن هذا النظام، قد جعل الحرب الموجهة ضد الإسلام ومظاهره، في إطار سياسات الدول الغربية الاستعمارية المعادية للإسلام مثل الاتحاد السوفيتي وأمريكا، جزءاً من سياساته على مدى سنوات طويلة. إن نظام علييف الذي لا يعرف حدوداً في عدائه للإسلام والمسلمين وفي اتخاذ الكفار أولياء، كان قد حاول أيضاً فرض حظر كامل على الخمار بين عامي 2010 و2011، إلا أن هذا القرار أُخرج مؤقتاً من دائرة الاهتمام العام في تلك الفترة، بسبب ما أثاره من ردود فعل غاضبة واحتجاجات جماهيرية في جميع أنحاء البلاد. إلا أن هذا النظام العلماني إما أنه لا يرى أن الأمة الإسلامية لا تزال حية، وأن التجارب المؤلمة التي عاشتها في الماضي بشأن الخمار كانت بمثابة ابتلاء كبير ودرس لن تنساه، وأنها ما زالت حاضرة وبقوة في ذهنها، وإما أنه يتجاهل ذلك، حتى أعاد طرح حظر الخمار على جدول أعماله وأصدر قراراً بهذا الشأن. لكن على إثر هذا القرار، أطلقت العديد من المعلمات والطالبات في أذربيجان الشعار التالي من أجل كسر القيود المفروضة بطريقتهن الخاصة: "إذا مُنعت المدارس عنا، فالميادين لنا".
وأيضا على الصعيد الفكري والسياسي، شن ناشطون ومعارضون للقرار هجوما حادا عبر المنصات على التوجهات العلمانية الصارمة، معتبرين أن حملة التضييق على الخمار في أذربيجان تكشف عن خلل عميق في تطبيق القومية العلمانية. حتى إن الغضب لم يبقَ حبيس الصحف ومواقع التواصل، ففي الثالث من تشرين الأول/أكتوبر، نُظمت وقفة احتجاجية أمام قنصلية أذربيجان في إسطنبول.. ورفع المشاركون لافتات بالتركية والأذرية، أبرزها "لا لحظر الحجاب في أذربيجان"، "لا تدَعوا 28 شباط/فبراير يأتي إلى أذربيجان"، و"الحجاب هوية المرأة المسلمة"، و"تراجعوا عن هذا الخطأ".
إن نظام علييف الذي ذُهل أمام رد فعل الأمة الإسلامية هذا، لجأ إلى أساليب التخويف والتهديد مثل جميع الأنظمة الطاغوتية، بل إن النيابة العامة أعلنت أنها طلبت مساعدة قضائية دولية من تركيا - التي لا تختلف عن أذربيجان في تبني العلمانية - بهدف فتح تحقيقات بحق الأشخاص الذين ينشرون منشورات تنتقد نظام علييف.
لكن ليعلم النظام الأذري الطاغي والحكام الدمى الذين على رأسه جيداً أنه كلما طغى أتباع العلمانية وأعداء الإسلام وتفرعنوا، أُسقطوا وأُضرمت النيران في أساسات عروشهم. بإذن الله أنتم أيضاً ستغرقون في دموع تلك الطفلة الصغيرة التي اعتديتم على خمارها وتركتموها وعيونها غارقة بالدموع، وستلقون في واد سحيق مثل الأنظمة العلمانية الأخرى التي رأيتموها بأعينكم. وهذا ما ستفعله دولة الخلافة الراشدة الثانية التي بات بزوغ فجرها مسألة وقت لا أكثر. وهكذا سيكون النصر من نصيب جيل عزيز حافظ على إيمانه وعفته في مواجهة الطغيان، وجعل وفاءه لربه فوق كل المصالح الدنيوية. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾.
بقلم: رمضان طوسون
المصدر: جريدة الراية



