الإثنين، 25 ربيع الأول 1448هـ| 2026/09/07م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أمريكا وإيران: حرب كسر الإرادات، لا حرب الحسم

 

يبدو أن أمريكا وإيران دخلتا مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة تبدو أقرب إلى حرب طويلة لكسر الإرادات، يحاول فيها كل طرف دفع الآخر إلى نقطة التراجع، من دون أن يضطر بالضرورة إلى خوض حرب شاملة مفتوحة النهاية.

 

تمتلك أمريكا تفوقاً عسكرياً هائلاً، وقدرة واسعة على تنفيذ الضربات الجوية، إضافة إلى أدوات ضغط اقتصادية ومالية تستطيع من خلالها إنهاك الاقتصاد الإيراني. لكن امتلاك التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الاستسلام السياسي على دولة بحجم إيران، وما تملكه من جغرافيا واسعة، وقدرات صاروخية، وشبكة من الأوراق الإقليمية، واستعداد واضح لتحمل كلفة المواجهة.

 

في المقابل، تدرك إيران أن الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ومفتوحة مع أمريكا ليس في مصلحتها. لذلك، فإن استراتيجيتها تبدو قائمة على إطالة أمد الصراع ورفع كلفته، بدل السعي إلى تحقيق انتصار عسكري. فكل يوم إضافي من المواجهة يعني تكلفة سياسية واقتصادية وعسكرية على أمريكا وحلفائها، وقد يمنح إيران فرصة أكبر لإعادة ترتيب أوراقها. وهنا يتحول عامل الزمن إلى سلاح بحد ذاته.

 

أمريكا تراهن على أن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي سيؤدي في النهاية إلى إضعاف قدرة إيران على الاستمرار، وإجبارها على تقديم تنازلات في الملفات التي تعتبرها جوهرية، وعلى رأسها البرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، وأمن الملاحة في الخليج. أما إيران، فتراهن على العكس تماماً؛ فهي تراهن على أن يتحول استمرار الحرب إلى عبء سياسي واقتصادي على أمريكا، وأن يصل صانع القرار الأمريكي في لحظة ما إلى قناعة بأن كلفة التصعيد أصبحت أكبر من العائد المتوقع.

 

وهكذا، لم تعد المسألة مجرد صواريخ وطائرات وعقوبات، وإنما أصبحت معركة حول قدرة كل طرف على التحمل.

 

وسط هذه المواجهة، يحتل مضيق هرمز موقعاً استثنائياً؛ فهو ليس مجرد ممر مائي، بل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. لذلك، فإن أي تهديد حقيقي لحركة الملاحة عبر هرمز يمكن أن يتحول إلى أزمة اقتصادية عابرة للحدود. وإيران تدرك أن هذه الورقة تمنحها قدرة على رفع كلفة الحرب خارج حدودها، لذلك يبقى هرمز ورقة ضغط أكثر منه سلاحاً للحسم.

 

المشكلة أن كلا الطرفين يحتاج إلى نهاية تحفظ ماء وجهه؛ فأمريكا لا تريد أن تنهي المواجهة بطريقة يمكن لإيران تقديمها باعتبارها انتصاراً لها. وإيران لا تستطيع بسهولة قبول اتفاق يظهر أمام الداخل وكأنه استسلام لضغط أمريكا. وهنا تكمن خطورة حرب كسر الإرادات؛ فقد يكون الطرفان مستعدين للتفاوض، لكنهما يريدان أن يبدأ التفاوض بعد أن يشعر كل منهما بأنه لم يُجبر على التراجع. لذلك، قد نرى مفارقة واضحة: تصعيداً عسكرياً من جهة، واتصالات سياسية من جهة أخرى. وهذا ربما لا يمثل تناقضاً، بل قد يكون جزءاً من استراتيجية التفاوض نفسها.

 

النهاية ليست بالضرورة انتصاراً عسكرياً، وربما تكون أكثر النهايات واقعية هي ألا ينتصر طرف على الآخر، وإنما التوصل إلى تسوية يخرج منها كل طرف مدعياً أنه حقق أهدافه. لذلك، تبدو المواجهة اليوم أقرب إلى صراع طويل على الإرادة والقدرة على التحمل، منها إلى حرب تقليدية تبحث عن انتصار عسكري. وفي مثل هذه الحروب، قد لا يكون المنتصر هو من يوجه الضربة الأقوى، وإنما من يستطيع أن يقول للطرف الآخر، في اللحظة المناسبة: لقد أصبحت كلفة الاستمرار أكبر من كلفة التراجع. وهنا تحديداً ستحسم معركة الإرادات.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع