- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
نحن أمة تملك الطريق وتحتاج إلى استعادته
نحن أمة ليست تائهة، ولسنا أمة تبحث عن هويتها، أو تسأل عن قيمها ومبادئها. لنا عقيدة نؤمن بها، وشريعة نرجع إليها، وأخلاق وقيم تشكّل أساس حياتنا، ونظرتنا إلى الإنسان والمجتمع والدولة. لنا موروثنا الفكري الذي نفتخر به. فما أحلّه الله فهو الحلال، وما حرّمه الله فهو الحرام، وهذه ليست مسألة قابلة للتبديل كلما تغيّرت الظروف أو تبدّلت المصالح.
إن المشكلة التي نعاني منها ليست غياب البوصلة وإضاعة الطريق، وإنما في الابتعاد عنه. كذلك، فإننا قد غُرّر بنا ليقنعونا بأن مبادئنا لم تعد صالحة لهذا العصر، وأن علينا أن نستعير أفكارنا ونظمنا ومعاييرنا من الآخرين، حتى نكون جزءاً من العالم.
نحن لسنا تائهين في الاقتصاد؛ فلدينا تصوّر واضح عن المال، وعن التعامل الصحيح، وتحريم الربا والظلم والاستغلال، وحفظ حقوق الناس وأموالهم. نحن أمة ليست لديها أزمة في الاقتصاد؛ لأننا نملك تصوّراً أخلاقياً للمال والعمل والثروة، ولدينا مفهوم واضح للملكية، ولتحريم الربا والغش والاحتكار.
عندنا، الاقتصاد ليس أرقاماً ومؤشرات وأسهماً فقط؛ الاقتصاد في مفهومنا مالٌ يبحث عن سدّ حاجات الناس، ويحدّد العلاقة بين الإنسان والمال والسلطة والموارد. فإذا غاب العدل، أصبح النمو الاقتصادي قادراً على زيادة الفجوة بين الناس بدل تقليصها. العدل عندنا ليس ترفاً سياسياً، وكرامة الإنسان ليست شعاراً، والمال ليس غنيمة.
لسنا تائهين في مفهوم الحكم؛ فالحكم في مفهومنا ليس ملكاً على الناس، وإنما مسؤول عنهم، والسلطة أمانة وليست امتيازاً مطلقاً. وكذلك في المعاهدات والعلاقات بين الدول، لدينا من القيم والمبادئ ما يحدّد معنى الوفاء بالعهد، واحترام الحقوق، ورفض الظلم والعدوان.
لقد نجح التغرير في جعل بعضنا ينظر إلى ما عند الآخرين باعتباره النموذج الوحيد للتقدم، وإلى ما عندنا باعتباره وسيلة للتخلف، حتى أصبح بعضنا يخجل من هويته، ويتردد في الدفاع عن قيمه، ويظن مع الأسف، أن التقدم لا يكون إلا بالتنازل عن الثوابت.
إن الانفتاح على العالم ليس خطأً إذا كان لا يتعارض مع قيمنا ومبادئنا. الخطأ أن نفقد القدرة على التمييز، فنأخذ الصالح والطالح، ونقبل ما يخالف قيمنا لمجرد أنه جاء من بيئة أقوى وأكثر نفوذاً.
نحن بحاجة إلى أن نعيد اكتشاف الثقة بأنفسنا؛ الثقة الواعية التي تعرف ما عندها. نحن بحاجة إلى أن نعود إلى مبادئنا لنحوّلها من شعارات إلى مؤسسات وسياسات وممارسات.
فالمبدأ الذي لا يظهر في الاقتصاد والسياسة والتعليم والقضاء والحكم والعلاقات الاجتماعية يبقى مجرد كلام جميل لا واقع له.
تحتاج الأمة إلى أن تعرف ما عندها، وتعرف نفسها، وتدافع عن مصالحها، وتحمي حقوق أبنائها، وأن تلتزم بالعدل. نحن بحاجة إلى فكّ الجمود الذي منعنا من تحويل قيمنا إلى واقع حي.
فإذا ما استعدنا وعينا، وتمسّكنا بثوابتنا، فلن نكون أمة تائهة، بل أمة تسير في طريقها بثقة، وتتفاعل مع العالم من موقع الوعي والندية والاحترام.
لسنا تائهين، وإنما آن للأمة أن تخرج من دائرة التغرير، وأن تستعيد قرارها، وأن تسير في طريقها وهي تعرف إلى أين تريد الوصول.
وفي نهاية المطاف، فإن الأمة التي تريد أن تستعيد عزّها ومكانتها، لا يكفيها أن تعرف ما فقدت، بل عليها أن تعرف من يحمل مشروع خلاصها، ومن يملك الصدق والشجاعة والكفاية للسير نحو النهوض.
لذا، فمن واجب الأمة اليوم أن تلتف حول الصادقين المخلصين من أبناء جلدتها، الذين جعلوا نهضة الأمة واستعادة عزّها وكرامتها هدفاً لا وسيلة.
وها هم إخوانكم في سفينة النجاة، حزب التحرير، وقد نذر نفسه لهذه المهمة العظيمة، وهو يدعوكم للعمل معه لاستئناف الحياة الإسلامية. يدعوكم لتمنحوه الثقة، وتساندوه في مشروعه الذي فيه خلاصكم من براثن الاستعباد والذل. يدعوكم أن تقفوا معه ما دام على الحق.
لقد آن للأمة أن تتجاوز حالة الشك والعجز والتردد، وأن تسير خلف الرجال الصادقين الذين نذروا أنفسهم لهذا العمل العظيم؛ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فإذا قالوا صدقوا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا حملوا المسؤولية جعلوا مصلحة الأمة فوق مصالحهم.
إن سفينة النجاة لا تحمل فرداً واحداً، وإنما تنجو بها أمة اجتمعت على الحق.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



