الخميس، 26 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/10/08م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

الأمريكي خرج.. فهل تستطيع بغداد أن تستعيد القرار؟

 

 

في العراق، لم يكن الثلاثون من أيلول/سبتمبر 2026 مجرد موعد لخروج القوات الأمريكية، بل كان موعداً تتقاطع عنده قضيتان تبدوان منفصلتين، لكنهما في الحقيقة مرتبطتان بصورة عميقة: خروج القوات الأجنبية، وحصر السلاح بيد الدولة.

 

اليوم، يقترب الوجود العسكري الأمريكي من نهايته وفق الجدول المتفق عليه بين بغداد وواشنطن، بعد أكثر من عقدين. وفي المقابل، لم ينتهِ ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة في الموعد نفسه، بل انتقل إلى مسار مرحلي يمتد، وفق الإعلان الحكومي الأخير، حتى حزيران/يونيو 2027.

 

من السهل التعامل مع الانسحاب باعتباره انتصاراً لطرف وهزيمة لطرف آخر، لكن السياسة أكثر تعقيداً من ذلك. فأمريكا تنهي وجودها العسكري المباشر في العراق، لكنها لا تنسحب بالضرورة من العلاقة مع العراق. فالمسار المتفق عليه يتجه إلى انتهاء مهمة التحالف العسكرية، مع إمكانية استمرار علاقة أمنية ثنائية بين بغداد وواشنطن بصيغة مختلفة. كما أن القوات الأمريكية المتبقية كانت قد تحولت منذ سنوات من قوة قتالية مباشرة إلى أدوار مرتبطة بالتدريب والاستشارة ومكافحة الإسلام. إذن، نحن أمام تغيير في شكل العلاقة، وليس بالضرورة انقطاعاً لها.

 

لكن الأهم أن أمريكا تغادر في لحظة إقليمية مختلفة تماماً عن اللحظة التي دخلت فيها. فعندما عادت قواتها إلى العراق عام 2014 كان تنظيم الدولة يمثل تهديداً عسكرياً واسعاً، أما اليوم فهي تقول إن تراجع هذا التهديد جعل استمرار وجودها العسكري الكبير داخل العراق أقل أهمية، خصوصاً في ظل تعرض قواتها لهجمات إيران وفصائل عراقية مرتبطة بها. وبالتالي فإن الانسحاب ليس فقط استجابة لضغط عراقي، إن وجد، بل إنه أيضاً إعادة حساب أمريكا للمخاطر والكلفة والفائدة.

 

كان من المفترض أن يؤدي خروج القوات الأجنبية إلى إزالة واحدة من أهم الحجج التي تستخدمها الفصائل المسلحة لتبرير استمرار السلاح. فإذا كان السلاح مرتبطاً بمقاومة الوجود الأمريكي، فماذا يحدث عندما ينتهي ذلك الوجود؟ فبعض الفصائل لم تعتبر الانسحاب وحده كافياً لتسليم أسلحتها، بينما أعلنت فصائل أخرى قبولها بإجراءات تتعلق بتنظيم السلاح أو إدماجه في مؤسسات الدولة. وتبقى فصائل أكثر تشدداً رافضة لفكرة التخلي عن قدراتها المستقلة.

 

عندما بدأنا الحديث عن اختبار التسعين يوماً، كانت الفكرة الأساسية أن بغداد أمام محاولة للانتقال من إدارة التوازن بين القوى المسلحة إلى إعادة تنظيم السلاح تحت سلطة الدولة، لكن ما حدث لاحقاً مهم جداً.

 

الموعد الذي كان يُنظر إليه باعتباره نهاية لملف السلاح في 30 أيلول/سبتمبر أصبح عملياً بداية لمسار أطول. فقد انتقلت الحكومة إلى خطة مرحلية، وأُشير إلى حزيران/يونيو 2027 كموعد نهائي مستهدف للعملية، مع استمرار التفاوض بدل اللجوء إلى القوة؛ لأن الدولة تستطيع نظرياً استخدام القوة لفرض القرار، لكنها تعرف أن استخدام القوة ضد قوى مسلحة تمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً يمكن أن يحول عملية بناء الدولة نفسها إلى مصدر صراع داخلي. لذلك اختارت الحكومة حتى الآن مسار التفاوض والاحتواء وإعادة التنظيم.

 

قد تمتلك مؤسسة ما سلاحاً قانونياً، لكن إذا بقيت لها سلسلة قيادة مستقلة، أو قدرة على اتخاذ قرار عسكري لا يمر عبر القيادة العامة للقوات المسلحة، فإن المشكلة لا تكون قد انتهت بالكامل. ولهذا فإن مستقبل الحشد الشعبي، مثل مستقبل الفصائل الأخرى، لا يمكن اختزاله في سؤال: هل يبقى أم يُحل؟ بل السؤال الأدق هو: بأي صيغة يبقى؟ ومن يأمره؟ ومن يحدد تحركه؟ وهل يستطيع أن يتحرك عسكرياً دون قرار من الدولة؟

 

وهنا تظهر المسألة الأكثر حساسية في العراق: الفرق بين وجود قوة مسلحة داخل الدولة، وبين وجود قوة مسلحة لها الدولة ولكن لها أيضاً قرارها الخاص.

 

العلاقة بين بعض الفصائل العراقية وطهران موثقة، وهناك فصائل تمتلك علاقات سياسية وعسكرية عميقة معها. كما أن تحليلات حديثة ترى أن طهران قد تقبل بالاندماج القانوني والإداري للفصائل، لكنها تنظر إلى فقدان قدراتها العملياتية المستقلة باعتباره خسارة استراتيجية. إنها تحاول إعادة تعريف حدود القوة الإيرانية داخل النظام العراقي من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران أو مع القوى العراقية المرتبطة بها.

 

وهنا تصبح السياسة أهم من السلاح، لأن بغداد إذا نجحت في ذلك، فإنها لا تحتاج بالضرورة إلى قطع علاقتها مع طهران، بل تستطيع أن تقول: العراق يمكن أن يكون قريباً من إيران، لكنه لا يمكن أن يكون ساحة قرار إيراني.

 

في المقابل، لا ينبغي أن يُفهم خروج الأمريكي باعتباره تخلياً أمريكياً عن العراق؛ فالولايات المتحدة تخسر وجوداً عسكرياً مباشراً، لكنها تحتفظ بأدوات أخرى للتأثير، من العلاقات السياسية والأمنية إلى الاقتصاد والمال والنظام المالي. والأهم أن واشنطن قد تكون أعادت تعريف مصلحتها في العراق. وبدل أن تكون القوات الأمريكية داخل القواعد العراقية هدفاً دائماً للهجمات، يمكن أن تتحول العلاقة إلى تعاون أمني من خارج الوجود العسكري المباشر. وهذا قد يكون أكثر ملاءمة لواشنطن في هذه المرحلة.

 

الفرصة هي أن خروج القوات الأمريكية يمنح الحكومة حجة أقوى للقول إن المرحلة التي كان فيها السلاح يُبرَّر بمواجهة الوجود الأمريكي قد انتهت. أما المخاطرة فهي أن خروج أمريكا قد يفتح مجالاً أكبر للقوى الإقليمية والمحلية إذا لم تستطع بغداد ملء المساحة السياسية والأمنية التي تركها. ولهذا فإن نجاح الانسحاب لا يقاس بعدد الجنود الذين غادروا، بل يقاس بما يحدث بعد مغادرتهم. فإذا أصبح القرار العسكري أكثر مركزية، والدولة أكثر قدرة على ضبط حدودها وأجوائها وسلاحها، فإن الانسحاب يمكن أن يتحول إلى مرحلة في استعادة القرار العراقي. أما إذا بقيت مراكز القوة العسكرية متعددة، فإن العراق سيكون قد أنهى الوجود العسكري الأمريكي، لكنه لم يحسم بعد قضية قراره الأمني.

هناك خمسة تحديات تستحق المتابعة خلال الأشهر المقبلة:

 

أولاً: هل تستطيع الحكومة تحويل الفصائل إلى قوة تخضع فعلياً للقيادة العامة، وليس فقط إدارياً وقانونياً؟

 

ثانياً: هل تستطيع إنهاء ملف السلاح من خلال التفاوض دون الوصول إلى مواجهة داخلية؟

 

ثالثاً: هل ستبقى العلاقة الأمنية مع واشنطن قائمة بصيغة جديدة، رغم انتهاء الوجود العسكري المباشر؟

 

رابعاً: هل ستتراجع قدرة الفصائل على اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة عن الحكومة؟

 

خامساً: هل تستطيع بغداد إدارة علاقاتها مع إيران وأمريكا وتركيا ودول الخليج من موقع الدولة، لا من موقع الساحة التي تتنافس فيها هذه القوى؟

 

السيادة هي أن يكون قرار السلاح بيد الدولة، وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، وقرار استخدام الأراضي العراقية بيد الدولة، وأن تكون علاقات العراق الخارجية قراراً عراقياً لا امتداداً لصراع الآخرين.

 

العراق ليس مجرد دولة في قلب الشرق الأوسط، بل أرضٌ قامت عليها واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية، من سومر وبابل وآشور، ثم أصبح في عصر الخلافة مركزاً سياسياً وعلمياً وثقافياً للبلاد الإسلامية. وفي بغداد، التي أسسها العباسيون سنة 762م، اتخذت الخلافة العباسية مركزاً لها، وتحولت المدينة إلى واحدة من أهم عواصم العالم، ومنها امتد نفوذ الدولة وتدفقت العلوم والمعارف والتجارة إلى مناطق واسعة.

 

ولهذا فإن العراق يحمل إرثاً يتجاوز حدوده الجغرافية الحالية؛ فهو كان في مراحل تاريخية مركزاً لصناعة القرار السياسي والحضاري في المنطقة. ومن هنا فإن استعادة العراق لدوره لا تعني فقط استعادة السيطرة على الأرض والسلاح، بل استعادة القدرة على أن تكون الدولة القادرة على استئناف الحياة الإسلامية، بتطبيق الإسلام على أرض الواقع وتعيد للأمة عزها.

 

والحمد الله أن هناك حزباً يتبنى مشروع الأمة ويعمل لإقامته، وقد أعد كل ما يلزم للثبات وتحقيق الهدف ويسعى إلى طلب النصرة من أهل القوة والمنعة لتبني مشروعه ليطبق على أرض الله ويرعى شؤون العباد بشرعه.

 

وإنني أهيب بكل أبناء الأمة الإسلامية عامة والعراق خاصة أفرادا وجماعات وجيوشا أن يغذوا السير مع هذا الحزب العظيم وأن يكونوا من رجال هذه الأمة وأن يقيموا الخلافة الراشدة التي بشرنا بها رسول الله ﷺ حين قال: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع